في إطلالة له بتاريخ 1947/4/5 كوزير للإقتصاد الوطني ، وجّه هذه الدعوة ، وقال : سأوجه لكم اليوم ، وفي مساء كل يوم إثنين ، كلمة اريدها أن تكون كلمة “لبنان الجديد” الذي سنبنيه ، نحن الطامحين الى النور والى تفتق العتمة ، كجبلة من الآمال والعقل والإيمان.

هذا الحديث أبعد ما يكون عن الإقتصاد ، ولكنه في الواقع أوثق ما يكون ارتباطاً مع شؤون الإقتصاد ، فالإنسان كله في كل ما يعمل ، فهو في العلم كله ، وفي الإقتصاد كله ، وكذلك هو في الفن والصلاة والتضحية ، إذ أن اصغر اعمال الإنسان تجسيمه وتظهيره لشخصيته بكاملها . وهذا هو في الواقع -مع الحرية- مردّ احد عناصر المسؤولية في الإنسان ، فلا اقتصاد بلا علم ، بلا عقل ، وبلا ارداة ، وبلا فن ، وبلا شعور ، ولذة وألم ورغبة وإيمان. وكل هذا لا يحصل دون تمرد ، قصدت بالتمرد في حديثي، ليس الدعوة الى ثورة معلومة ، بل ثورة نريدها روحية ، وجامحة كالاعاصير ، تلهب النفوس ، وتمحو القيود ، وتصهر عناصر الأمة ، وتوحّد وطناً ، وتبني دولة .

قصدت التمرد لأنه لا يمكن بناء شيء في الكون واستمراره في الوجود إلاّ على اساس الإنتاج والخلق المستمر . فالنظام مثلاّ ليس تقييداً لإبتكار ، وحدّاً للعبقرية ، وتضييقاً لفسحة ولأمد ، بل هو انسجام في التطور الخلاّق، واندماج روحي داخلي حميم في تصميم الخليقة ، وشعورواع بأن قوى الكون تتبلور وتتمخض وتتطور وتتقدم في اعماقنا وفينا وفي الكون حولنا ، وكأننا قطعة او جزء لا يتجزأ من الوجود ، ولإرتفاع المادة والنبات والحيوان فينا الى صف الروحانية .

هنا في لبنان ، كل شيء في جمود ، وفي توقف وفي ا نتظار ، انتظار الوحي وهو فينا ، والإرادة وهي منّا ، والإبداع وهو شعلة الهبت ضمير العنصر البشري من اقصى التاريخ الى أقصاه.

إن لبنان بحاجة الى ان تنفتح فيه من جديد روح التمرد الخلاّق ، روح الثورة الروحية العملية البناءة ، وروح الهدم من جديد للبنيان من جديد. ان الرقي والإنشاء هدم وبنيان مستمران ، فلا استسلام الاّ للحق ، ولا رضوخ الاّ لروح الجماعة وروح الحرية والأنظمة والقانون، ولا انصياع إلاّ للقوى الخلاّقة في النفس.