“في الانسان ، كما يتبدى لنا ذلك من العلوم الحديثة ثوابت حياتية ونفسية يجب احترام وجودها ونشاطها ويجب تنميتها على الدوام ، لأنها مقياس للانسان . فعلينا دائماً ان نستطلع اي البيئات المادية والمعنوية هي الاصلح والافضل لحياة الانسان ، اي الاكثر ملاءمة وتكيفاً مع عيشه النفسي والجسدي ، ومع ممارسة نشاطات فكره وحواسه ومعرفته . ويجب ان لا نعتقد ان هذه المشكلة لا تزال بعيدة عنا ، بل ان هذه المشكلة اخذت تتشخص في الوقت الراهن في البيئة المادية والمعنوية للانسان .

من هذه التفاعلات والتناقضات التي بدأت تتجلى في حياة المدينة ، في تلوث الانهار ، والاجواء ، في الصخب المتزايد والمحاصر لعيش الانسان ، في نقض التوجيه في مراحل التربية نحو المعرفة الحقيقية وتكوين الذات الشخصية وانفتاحها ، وفي جمود التعاليم الدينية والمناقبية ، في تحجر الانظمة الاجتماعية والسياسية عن التبدل الموافق، في نظام العيش ذاته من مأكل ومشرب وملهى وراحة ورخاء ، في الموسيقى المعبرة عن ضجيج الحضارة على نفسية الانسان ذاته ، في استخدام الادوية السامة في المكافحة التي تقضي تدريجياً على اوضاع المحيط الطبيعي للانسان ، في تعاطي الاغذية المصطنعة ، وفي هذا الاندفاع الكيفي للعنف في الشرق وللعنف في الغرب… من هذه التفاعلات والتناقضات برزت مصادر لما يسمونه بالثورة الجديدة لحركات الشباب وسواها من التطلعات الفذة.”

(المرجع: من البيان الرئاسي للمعلم كمال جنبلاط بتاريخ 22/11/1970)