إنطلاقاً من تصوّر القدرة على إحداث تمرّد شعبي وانقلاب على النظام المعادي القائم في ايران ، إقتنع به نتنياهو وأقنع ترامب بتبنيه ، على الرغم من الشكوك حول نجاحه في المخابرات الإسرائيلية ورئاسة الاركان ، والتحفظات التي ابداها عدد كبير من المسؤولين في الإدارة الاميركية ونيابة الرئاسة . هذا التصور قام على فرضية ان اغتيال قيادات ايرانية بارزة في الايام الاولى للحرب ، متبوعاً بعمليات استخباراتية ناشطة ، ستشعل حراكاً شعبياً واسعاً يسّرع في اسقاط النظام الايراني.

وفور بدء الحرب الاميركية والإسرائيلية على ايران ، ارتكب الرئيس ترامب خطأً دعوة الإيرانيين للبقاء في منازلهم حرصاً منه على سلامتهم من جهة ، ودعوتهم لتولي أمر حكومة بلدهم وتغيير النظام من جهة اخرى.

هذا الرهان على الإنتفاضة لم يحصل ، بل على العكس ساعد اركان النظام على تشديد قبضتهم الأمنية على الشارع الإيراني في الداخل ، وتصعيد المواجهة مع الإعتداء الثنائي واستهداف دول الخليج العربية بما نسبته 85% من صواريخه ومسيّراته ، مقابل 15% فقط طالت اسرائيل . كما استطاع النظام تحريك اذرعه في المنطقة لمساندته ، كالحشد الشعبي في العراق ، وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن .

وهكذا تواصلت الحرب بدون أفق ، وتفاقمت تداعيتها على الدول العربية خاصة ، وعلى سائر دول العالم عامة . وبعد مرور اكثر من خمسة اسابيع على نشوبها ، لم يعد الحديث عن تهدئة قريبة ، او اختراق سياسي وشيك يحقق سلاماً مريحاً للجميع. لم يعد كل ذلك اكثر من أمنية تطلق ، من وقت لآخر ، في مواجهة واقع يزداد سؤاً كل يوم ، ويهدد بالأسوأ ، حرب استنزاف قد تطول . فالصوارخ والمسيرت تملأ أجواء منطقة الشرق الاوسط بكاملها ، والتحولات المتسارعة في اسواق الطاقة وحركة المواصلات التجارية ، كلها مؤشرات على ان المنطقة دخلت في طور جديد من الصراع المسلّح ، يتجاوز الردع التقليدي …

ففي هذا السياق ، يبدو الحديث عن السلام الذي يروّج له الرئيس ترامب أقرب الى مجرّد محاولة مؤقتة لإراحة الأسواق منه الى مسار تفاوضي واقعي لإنهاء الحرب. فالرئيس ترامب يتحدث عن محادثات جيدة ومثمرة مع السلطة الإيرانية ، فيما ينفي الإيرانيون ذلك ، وبين التهديد والتراجع المتكرر للمهل ، تتقلّب الأسعار صعوداً وهبوطاً. وهكذا يتكشّف واقع مرير ، لا سلام في الأفق المنظور ، بل أدارة مؤقتة لأزمة تستمر في الإتساع والتدهور ، وأبرز ضحاياها الشعوب العربية ، خاصة في منطقة الخليج العربي .

وفي واقع الأمور، إن أي اتفاق لا يغيّر جوهر النظام الإيراني سيبدو أقرب الى هزيمة منه الى تسوية ، لأن الحرب منذ لحظة انطلاقها ، لم تقدّم بوصفها مجرّد عملية ردع محدودة ، بل كمحاولة لتغيير قواعد اللعبة بالكامل ، وتفكيك القدرات النووية والصاروخية والتطلعات الإقليمية ، وربما دفع النظام في ايران نحو اعادة تشكيل عميقة ، تؤمّن الأمان والسلام لإسرائيل.

ومع مواصلة الحرب ، تثبت الوقائع أن أيّاً من كلّ ما خطط له لم يتحقق بشكل حاسم، كما يتم الإدعاء فالضربات الجوية ، رغم كثافتها ، لم تقضِ على قدرة ايران على الصمود والرّد وتحريك اذرعها للمساندة ، ومضيق هرمز ما زال مقفلاً، وتحوّل الى اداة ضغط تستخدمها ايران لإثارة دول العالم المتضررة من الحرب ضد المغامرة الأميركية الإسرائيلية .

وهنا ، ينكشف وهم السلام السريع الموعود ، لأن أي تفاوض الآن يجري ، او يتوقع أن يجري بين المتحاربين ستتم من موقع توازن قلق ، لا من موقع  انتصار واضح لأحد الطرفين المتنازعين. وهذا ما يجعل فكرة الإتفاق إشكالية سياسية لترامب نفسه. كلا يبدو ان الإدارة الاميركية تملك خياراً سهلاً . فتصعيد الحرب نحو إسقاط النظام في ايران ، يستدعي التورط في غزو بري يتطلب كلفة بشرية واقتصادية هائلة ، ومخاطر انفجار إقليمي شامل عواقبه كارثية على الجميع ، في الذهاب  الى اتفاق محدود له كلفة سياسية داخلية ، خاصة مع ارتفاع اسعار الطاقة والتململ الشعبي المتزايد ، وربما خسارة في الإنتخابات النصفية المرتقبة بعد بضعة أشهر في الولايات المتحدة.

وهكذا يجد ترامب نفسه بين خيارين : حرب لا يستطيع حسمها ، وسلام لا يستطيع تبريره ، لذلك يبدو السلام الذي يبشر به أقرب الى مخرج مؤقت لا نهاية لصراع لم تستقر شروطه بعد ، خاصة بالنسبة لإسرائيل.