في محاضرة له في الندوة اللبنانية ، بعنوان “لبنان في واقعه ومرتجاه” بتاريخ 10‏/12‏/1956 ، أعلن كمال جنبلاط التالي :

“في إطار واقع المكان الجغرافي ، وواقع الزمان التاريخي الحضاري، استطاع لبنان، بالرغم من كلّ التناقضات والتنوعّات والتبعات والولاءات التي يحتضنها ، أن التعاكس يشكّل وحدة للعيش واحدة  ،وحدة للحياة المشتركة . وقد يكون في ذلك السرّ والسبب الذي يجعل التناقضات والمفارقات والتنوعّات والإختلافات والأزمات على اختلافها تجد لها في النهاية حلاًّ واقعيا منسجماً،  وتسوية معقولة.

 

فلبنان ،  في واقعه ومرتجاه مجهّز لكي يلعب دور العقلانية السلمية في منطقة الشرق الأوسط المجرّدة عن شتّى تيارات الجهالة والهوس والعصبية ، لأنه لولا هذه العقلانيه لما قام هذا الوطن ولما نما وتطور ، بالرغم من الأزمات ذات الطابع الطائفي التي كان سببها ، في أغلب الأحيان سؤ الادارة وعجز الحكم عن إيجاد حلول لمختلف المشاكل والأزمات على أساس العقلانيه ، فلبنان لا يستطيع أن يكون دولة تابعة لأحد بل يتعامل بعقلانية مع الجميع على أساس المساواة وألندية والمصالح المشتركة وعدم التدخل في شؤونه الداخلية .

 

انطلاقاً من هذه الرؤية ، ومن واقع الاختبار، والتحلّى بالعقلاتية ، استطاع لبنان أن يخرج سليما من العديد من المخاطر الإقليمية والمنازعات والأزمات الداخلية . فالخروج عن العقلانية التي حققت الاستقلال سنة 1943 ، وتحويل لبنان إلى مزرعة يتقاسم خيراتها أرباب الحكم والسياسة ، والسكوت عن الفساد جرّ لبنان إلى ثورة 1952. وانحراف الحكم والانحياز إلى الأحلاف ، والتمسّك بالكرسي جرّ لبنان الى ثورة سنة 1958 . وتعطيل ارباب الطائفية السياسية للإصلاحات التي حققها العهد الشهابي  ،عرّض لبنان للتدخل الخارجي الإقليمي والدولي ، وعمّق الانقسام الداخلي، فانجرف لبنان الى حرب مدّمرة بين العامين 1975 و1990 ، وواجه أزمة خانقة مع المقاومة الفلسطينية ، وعدواناً واحتلالاً إسرائيلياً اوقع لبنان الدولة في الشلل وفرض الوصاية السورية على قراره حتى العام 2005 ‏. وبدلا من العمل بعد خروج السوري على إعادة بناء الدولة ، أوقع الانقسام السياسي الطائفي وتعدّد الولاءات للخارج  لبنان تحت النفوذ المحوري الإقليمي . واستمرّت الدولة معطّلة وأرباب السياسة الطائفية يتحكمون بإدارتها واستغلال مواردها لحسابات خاصة مذهبية  وحزبية ومحورية .

 

وأخيرا ، وليس آخراً ، واجه لبنان  مجموعة من النكبات نجمت عن سؤ الإدارة وغياب العقلانيه والإنقسام والمنازعات أبرزها : الانهيار المالي سنة 2019 . تفجير مرفأ بيروت الكارثي سنة 2020 . وباء كورونا سنة 2022 ، والتورط في حرب إسناد غزة 2023 والعدوان الإسرائيلي المتواصل إلى اليوم سنة 2024.  وهو يعاني اليوم الكثير من تورطه في حرب اسناد ايران .

 

هذه النكبات كانت لها تداعيات كارثية على لبنان الدولة واللبنانيين كمجتمع : أزمات في كل المجالات ، منازعات  ، تعطيل سبل العيش وإدارة شؤون الناس . ونتيجة لذلك شهد لبنان ولا يزال حركة هجرة متزايدة للشباب بحثاً عن الأمان والسلام وكرامة العيش في اصقاع الدنيا الواسعة . وكمثال فقط ، نورد أن حركة الهجرة سنة 2025 سجّلت رقماً قياسية بلغت 850 ألفاً معظمهم من الشباب المتعلّم الذي كان من المفترض تسلّمهم  إدارة شؤون لبنان في المستقبل .

 

وفي مطلع العام 2025 ،وبعد سنوات من التعطيل والإنهيار ، قام عهد جديد وحكومة جديدة  في لبنان ، ووعد بإعادة بناء الدولة السيدة التي تتمسك بوحدة القرار وحصرية السلاح وتعمل للإنقاذ والإصلاح . ولاقى ذلك الترحيب  الواسع في الداخل اللبناني ولدى أصدقاء لبنان في النطاق العربي والعالمي .

 

ومضت الأيام والشهور، وطال الانتظار ، وبدلاً من تحقيق الوعود ، واجه الحكم الجديد العراقيل والتعطيل نتيجة للضغوط الخارجية المتناقضه من جهة ومواصلة المناكفات والمنازعات وتضارب المصالح والولاءات والإنقسامات ، وكأن الطبقة السياسية اللبنانية فقدت من جديد حسّ العقلانيه الذي له القدرة على إيجاد حلول في النهاية لكل الأزمات والمشاكل . لبنان استمر بفضل القدرة على الانتقال من تسوية الى تسوية تحكمها العقلانيه . فبسبب غياب  هذه العقلانيه فشلت محاولة الإنقاذ والإصلاح وخطط إعادة بناء الدولة ، وحرمت اللبنانيين نعمة العيش الكريم بسلام وأمان واستقرار والتطلّع إلى غد أفضل ، وأبقت لبنان الدولة والسيادة والإسنقلال متعثراً على لائحة الانتظار.

 

إن العودة إلى العقلانية ، كما أرادها المعلم كمال جنبلاط  وروح التسوية والرغبه الصادقة في العيش الواحد المشترك ، وتقديم الولاء للوطن على سائر الولاءات ، وحدها تكفل إخراج لبنان من أزماته ، وتحميه من مخاطر وحروب الآخرين على ارضه وتحقيق ما يصبوا إليه اللبنانيون : العيش بكرامة في دولة سيدة مستقلة محترمة بين الدول وحائزة على ثقة شعبها ، فهل يفعل ذلك أرباب السياسة ؟ ام علينا البقاء على لائحة الانتظار.