في ظل مجلس ترامب للسلام في غزة وسائر بلدان الشرق الاوسط ، لا تزال المنطقة تواجه أزمات وحروب لا نهاية لها ، وتعيش اوضاعاً متفجرة تحت رحمة مختلف الإحتمالات . ولا صوت يعلّو على صوت المعركة والمنازلة المجهولة الأفق والتداعيات . حشود عسكرية لا مثيل لها ، وتهديدات عالية السقف ، توتر الأجواء ، وتراكم المخاوف. أبطالها ترامب ونتنياهو من جهة، وقادة ايران وأذرعها في العراق واليمن ولبنان من جهة ثانية . وحتى الآن يبدو أن محاولات قادة دول الخليج العربية ومصر والأردن وتركيا ، اضافة الى قادة روسيا والصين والإتحاد الأوروبي ، لترجيح كفة التفاوض على كفة الصدام المدّمر وكانها أصوات في خواء الصحراء .

كل هذا يحصل على خطورته ، ولا قدرة اممية على معالجته بعد إنهيار النظام العالمي ، والتغييب المتعمد لمنظمة المم المحدة ، خاصة من جانب الرئيس ترامب الذي يتفاقم تعطيله كل يوم لمختلف مؤسساتها. وعمل على إيجاد مسار شخصي للتعاطي مع المنازعات التي تطرأ في مختلف أنحاء العالم . التهديد بالقوة لفرض الشروط وعقد الصفقات. وقبل اي شيء آخر ، حماية اسرائيل وضمان السلام والأمن لها. فمجلس ترامب للسلام ، دوره الفعلي ، لا الديماغوجي هو تحقيق السلام لإسرائيل ، وإزالة كل المخاطر والعراقيل التي قد تواجه هذه الرغبة وهذا التصميم. تابعوا قليلاً ما فرضه في وقف الحرب على غزة . ممنوع على شعب غزة ان ينعم بالسلام ، ممنوع عليه ان يقاوم ويرفض حرب الإبادة التي تواصل شنّها عليه بأبشع الوسائل ، مطلوب من الدول العربية والإسلامية معارضة اسرائيل والتنديد بإرتكاباتها بحٌق الشعب الفلسطيني ومنعه من إقامة دولته المستقلة – يفرض عليها ان تكون عضوة في مجلسه لسلام اسرائيل ، والإنصياع لرغباته في التخلي عن دعم القضية الفلسطينية ، والتطبيع مع اسرائيل والعيش في ظل سلامها الإستسلامي ، ونفوذها الإقليمي حتى أي ذكر لفلسطين ممنوع كما أعلن نتنياهو في 2 شباط الحالي صراحة .

لاحظوا طلباته الأخيرة المترافقة مع تهديده ايران بحرب والصاروخي :  وقف  النشاط النووي والصلة لأنه يهدد اسرائيل ، وقف دعم الميليشيات التابعة لها في العراق واليمن ولبنان الذي يزعج اسرائيل.

وفي المقابل ، تهدد القيادة الإيرانية بشنّ حرب مدمرة تلهب المنطقة بكاملها حفاظاً على نظامها وأذرعها ونفوذها  في محور الممانعة الذي يعاني بعد إنقطاع حلقة  الوصل الرئيسية فيه سوريا. الثورة الإسلامية تبنّت عند قيامها سياسة جريئة . قيادة الإسلام السياسي ، ونشر عقائدية ولاية الفقيه. والتعهد بإزالة اسرائيل ، واخراج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط ، والغمز من تهاون الدول العربية في مواجهة الخطر الصهيوني . ومن اجل هذا الهدف المعلن أنشأت لواء القدس ، وحركات المقاومة الإسلامية .

ومرت الأيام ، والسنوات والعقود ووصلنا الى العام 2026 ولا اسرائيل زالت ، ولا الولايات المتحدة انسحبت ولا القدس تحررت . وبدأنا نسمح تصريحات جديدة تصدر عن القيادة الإيرانية : لا نريد الحرب مع اية دولة ولكن سنشن حرباً مدمّرة في كل المنطقة . اذا حاولت اسرائيل والولايات المتحدة الإعتداء علينا مدعومين من الحركات المسلحة التي انشأناها ورعيناها ومطلوب منها اليوم المشاركة في الدفاع عن ايران ونظامها ، حتى ولو تمّ ذلك رغماً عن السلطات الرسمية في بلدان هذه الحركات ، اي لبنان والعراق واليمن.

ومما لا ريب فيه ان إلاّعتراف بأن اصعب المبارزات هي تلك التي يصعب على طرفيها قبول الخسارة او الإعتراف بها احياناً يختار المجروج المكابرة ، ومضاعفة الخسائر ودفع المغامرة الى دون حدود المقامرة . فلا ترامب يرتضي صورة الرجل الضعيف الذي ينكفىء ويبدل مواقفه ولا خامنئي يستطيع إنهاء سلطته بالتنازل عن طموحات الثورة التي آلت اليه بعد قائدها الخميني الذي سبق له ان اعلن وقف الحرب بين العراق وايران ، بانه يتجرّع كأس السم لأنقاذ ما يمكن إنقاذه ويكفل استمرار النظام. وهذا ما يبقي المنطقة عالقة وعرضة على كل الإحتمالات . يصعب على الأساطيل الإنسحاب قبل الحصول على الثمن الذي يبرر تكاليف تحريكها الباهظة ، ويصعب على خامنئي ان ينحني النظام القائم في ايران علانية ، ويرضخ لإرادة ومطالب سيد الأساطيل ، دون الحصول على ما يبرر انحناؤه .

في ظل هذه الأوضاع المتدهورة والمجهولة المصير والتداعيات ، يجد لبنان الدولة نفسه في وضع لا يحسد عليه. فلا الخارج الإقليمي والدولي مأمون يبعث على الإطمئنان ، ولا الداخل المأزوم والمتعثر قادر على تجاوز الإرباك والإنقسام والتعطيل، والتخبط العالق فيه وسلبياته . وعليه رغم كل ذلك مواجهة كل المخاطر الداخلية والخارجية التي تهدد حاضره ومستقبله.

ويبقى السؤال : ما العمل لحماية لبنان ، وتحييده عن مواجهة تداعيات لا قدرة له على تحملها.

الجواب واحد لا غير: إقتناع كافة الأطراف اللبنانيين ، ان التخلي عن المصالح االفئوية والمذهبية ، والإرتباطات والتبعية ، واللقاء الصادق حول عودة الدولة مقابل الصلاحيات هو الذي يقنع الخارج على احترام القرار اللبناني ، والتعامل مع لبنان كدولة سيدة مستقلة، هو خشبة الخلاص للجميع ، فالوطن الذي لا يلتّف حوله ابناه تسهل استباحته وإخضاعه واستغلاله وفقدان استقلاله.