لبنان واسرائيل دولتان متناقضتان لا تتعايشان . فلبنان بلد التعددية الدينية والمذهبية والعرقية . بلد العيش المشترك ، والملاذ الأخير للأٌقليات المضطهدة في الشرق الأوسط. أريد له ، منذ تأسيسه الحديث سنة 1920 ، ان يكون بلد الرسالة والنموذج للأمان والسلام والإستقرار والإبداع في مختلف المجالات.
أما اسرائيل ، في المقابل ، فهي على العكس تماماً : إنها وليدة وعد بريطاني بإقامة وطناً قومياً لليهود في فلسطين العربية ، أي دولة دينية عنصرية وبالتالي متطرفة لا مكان فيها لغير اليهود. ولذا سعت فور قيامها سنة 1948 ، ولا زالت تسعى حتى اليوم لتحقيق هذا الحلم. ومن اجل ذلك اعتمدت سياسة شنّ سلسلة متواصلة من الحروب والإعتداءات والإغتيالات والإبادة والتهجير لألغاء الوجود الفلسطيني على ارض فلسطين من جهة ، وحروب التوسّع والإخضاع على الدول العربية المجاورة بهدف التوسع وإقامة دولة اسرائيل الكبرى في منطقة الشرق الأوسط من جهة ثانية، وفي حال فشل هذه المحاولة السعي لتفكيك الدول العربية وتقسيمها الى كيانات مذهبية او عرقية ، “تتحكم ” هي بمصائرها وبالنفوذ عليها والسيطرة على مقدراتها.
لبنان دولة مسالمة تحترم المعاهدات والمواثيق الدولية والقرارات الأممية . وترغب في إقامة أفضل العلاقات مع الدول الأخرى على اساس الإحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة. وأما اسرائيل ، فعلى العكس تماماً، فمنذ قيامها لا تحترم المعاهدات والمواثيق والقرارات ، ولا حق الشعوب في تقرير مصيرها ، ولا التعايش مع الآخرين ، ولا تعطي اي اعتبار للمؤسسات والمنظمات الدولية ، مستفيدة من دعم دائم وغير محدود من الولايات المتحدة الاميركية خاصة ، ومن الدول الأوروبية عامة ، وسكوت مشبوه من دول اخرى تكتفي بالإنتقاد الكلامي لإسرائيل على ارتكاباتها الإجرامية المتواصلة في المنطقة العربية .وفي ما خصّ الأحداث بين اسرائيل ولبنان النقيضان ، وبانتظار الفرصة المناسبة لتحقيق الهدف الأكبر والقضاء على الصيغة اللبنانية التي تقلقها وتزعجها ، مارست اسرائيل ولا تزال محاولاتها العدوانية ضد لبنان .
فمنذ حصول الحركة الصهيونية على وعد بلفور البريطاني سنة 1917 ، ا ستجاب الإنتداب البريطاني لرغبة الحركة ، واستطاع ان يقتطع من لبنان منطقة سهل الحولة ومجرى نهر الحاصباني في جنوب شرقي لبنان ، كما يبدو ذلك جلياً على خريطة لبنان.
وفي الحرب العربية-الاسرائيلية سنة 1948 ، استولت اسرائيل على سبع قرى لبنانية من الجنوب اللبناني ، وبدأت محاولاتها للحصول على حصة من مياه نهر الليطاني اللبناني ، والتنازل لها عن المناطق اللبنانية الواقعة الى جنوبي هذا النهر .
وبحجة مواجهة مخاطر المقاومة الفلسطينية الفاعلة من لبنان ، انتقلت اسرائيل في عقد الستينات الى مرحلة النشاط المخابراتي في لبنان عن طريق زرع الإنقسام والنزاع الداخلي حول الوجود الفلسطيني المسلح في البلد ، واعتماد اساليب الإغتيال ونسج تحالفات ظرفية مع فئات لبنانية ، وأتبعت ذلك بسلسلة من الحروب العدوانية: عملية الليطاني سنة 1978 ، اجتياح لبنان سنة 1982 واحتلال العاصمة بيروت ، والتحكم بالقرار السياسي والإنتخابي . اجتياح جنوب لبنان في عملية عناقيد الغضب سنة 1996 ، واستمرار سيطرتها على الشريط الحدودي منذ العام 1978، واستمرار سيطرتها على الشريط الحدودي منذ العام 1978 . وبفضل الرفض اللبناني للإجتياحات ، ورفض التنازل لها عن اي ارض لبنانية من مساحته البالغة 10452 كم2 ، وشن مقاومة وطنية شرسة ضد وجودها في لبنان ، اضطرت اسرائيل الى الإنسحاب كلياً من لبنان سنة 2000، وتحقق التحرير الذي اعتقد اللبنانيون انه يحمل لهم الأمان والسلام .
غير ان ذلك لم يحصل ، وواصلت اسرائيل عدوانيتها فشنت حرباً تدميرية على لبنان سنة 2006 ، توقفت بموجب القرار الأممي رقم 1701 الذي لم يتمّ احترامه. وانفجرت الأوضاع من جديد سنة 2023 غداة شن حركة حماس من غزة “طوفان الأقصى” ومسارعة حزب الله لمساندتها في اليوم التالي ، فأدخل لبنان في حرب تدميرية لا تزال متواصلة حتى اليوم مع محاولات إقتطاع منطقة عازلة في جنوب لبنان بحجة حماية سكان شمالي اسرائيل من المخاطر ، خاصة بعد الفشل في تنفيذ القرار 1701الذي تجدّد سنة 2024 وتوريط لبنان بحرب مساندة ايران في شباط 2026.
اسرائيل اليوم ، مستفيدة من التبدل الحاصل في موازين القوى ، ومن الدعم الشامل الاميركي ، تسعى لفرض نفوذها وسيطرتها على لبنان ، او العمل على تقسيمه وتقاسمه في مشاريع اقامة دول طائفية في منطقة تخضع لإسرائيل وتبرّر صيغتها الدينية العنصرية ، وتؤكد فشل الصيغة التعددية اللبنانية.
فهل مَن يسمع ويستوعب من ارباب السياسات الحزبية الطائفية المرتبطة بأطراف خارجية ، أن مواصلة هذا النهج ، عن قصد او من غير قصد ، سيحقق ما تسعى اليه اسرائيل ويلغي لبنان من الوجود ، فيرتدعوا ، ويعملوا لكي يبقى لبنان ، ويستمّر مصنعاً للرجال وللبطولة . فما قيمة شعب لا يكرّس ولاءه لوطنه ، وايمانه به وطناً حراً للجميع دون تمييز ، ودولة راعية وحامية منيعة في مواجهة كل الطامعين .