في العاشر من حزيران ٢٠٢٥ مع استمرار حرب التجويع والتهجير والإبادة ضد الشعب الفلسطيني، ومواصلة العدوان على لبنان وسوريا واليمن، فتحت إسرائيل حربا مباشرة على إيران بعد ضرب أذرعها في المنطقة بهدف القضاء على القوة النووية والصاروخية للنظام ودوره المحوري المهدد لوجودها في المنطقة . حرب مدمرة واغتيالات للقادة العسكريين والعلماء النوويين ردت عليها إيران بقصف مدمر على إسرائيل لم تشهد له مثيلا منذ احتلالها لفلسطين . تفاقمت الخسائر على الطرفين وتزايدت مخاوف اتساعها وتهديد الاستقرار في المنطقة والعالم وحبس الجميع أنفاسهم ليفاجأوا في ليلة 21 من حزيران بالرئيس الامريكي ترامب ينضم إلى جانب إسرائيل ويشن معارك جوية على إيران مستخدما أحدث الأسلحة الأكثر تدميرا مهددا النظام الإيراني بأفدح الخسائر إذا لم يستسلم ويوقف برامجه النووية والصاروخية التي تهدد الكيان الصهيوني أقرب حليف للولايات المتحدة . وكان لهذا التدخل وقع الصاعقة وعاش العالم أجمع ساعات رهيبة ومخاوف من اتساع الحرب وتحولها إلى أقليمية بتداعيات عالمية .
ومن جديد فاجأ ترامب الجميع وأعلن في 22 حزيران 2025 وقف أطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وبين إسرائيل وإيران مبشرا بانطلاق عهد السلام في الشرق الأوسط . هذا الإعلان حقق ارتياحا ظاهرا في المنطقة والعالم لأنه أوقف انزلاقاً خطيرا كاد يهدد بتداعيات كارثية على الجميع ، ولكنه لم يحقق السلام فأطرافه واصلوا الكلام والتهديد الذي يحول دون تحقيق السلام. ترامب الذي عاد إلى البيت الأبيض رافعاً شعار تصميمه على وقف الحروب الناشبة وتحقيق السلام في أوروبا والشرق الأوسط وشرقي آسيا .
ومرت الأيام والشهور والحروب المدمرة تتواصل والتوتر يزداد بين الدول وطموحات ترامب تتلاشى فقرر الانتقال إلى أسلوب استخدام العصا والجزرة بفرض سلام القوة الذي هو استسلام صعب المنال لعله يحقق طموحه في أن يصبح بطل سلام يستحق عليه جائزة نوبل للسلام التي سبقه إليها خصمه اللدود أوباما .
ترامب اعلن أنه حقق من حربه على إيران نصرا استراتيجيا وأنقذ إسرائيل من خطر وجودي، واستدرج إيران إلى المفاوضات حول برامجها النووية والصاروخية ودورها في منطقة الشرق الأوسط متوقعاً سلاما وودا وازدهارا لإسرائيل وإيران بعد العدوان والتهديد بالإفناء .
أما نتنياهو الذي استجاب لرغبة ترامب وأوقف أطلاق النار على إيران حتى لا يغضبه فيقطع عنه الإمدادات العسكرية والمالية والحماية السياسية والقضائية التي هو بأمس الحاجة إليها في الظروف التي تواجهها إسرائيل لأول مرة . ناتنياهو حرص مع ذلك على التأكيد أنه حقق كامل أهداف حربه على إيران ودمر قدراتها العسكرية والعلمية والبنيوية وأنه مستعد لمعاودة ضربها من جديد في حال تجددت مخاطرها على إسرائيل .
وفي المقابل استمع العالم في السادس والعشرين من حزيران ٢٠٢٥ للمرشد خامنئي يعلن أن جيشه صمد بوجه العدوان الإسرائيلي -الاميركي واستطاع أن يسحق الكيان الصهيوني الذي وصل إلى حد الإنهيار وهنأ الشعب الإيراني على النصر الذي حققه على الأعداء مهددا بمواصلة العمل على برامج بلاده النووية والصاروخية وتكبيد الأعداء خسائر أفدح إذا جددوا عدوانهم على بلاده .
إن ما صدر ويصدر عن أبطال الحروب في الشرق الأوسط لا يبشر بالخير فدول منطقة الشرق الأوسط وشعوبها هي الخاسر الأكبر من هذه النزاعات والحروب التي تستنزف قدراتها وتهدد استقرارها وازدهارها، وما توصل إليه ترامب ووافق عليه نتنياهو وخامنئي من وقف لإطلاق النار لم يوقف حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني والعدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان وسوريا واليمن ولا أوجد حلولا للحروب الدائرة في السودان والصومال وليبيا. والسؤال ماذا بعد؟ الهدنة المعلنة هي الخطوة الأسهل ولكنها الأكثر هشاشة لأنها ربما تكون مجرد مهلة لالتقاط الأنفاس وللاستعداد لجولات حرب جديدة أخطر وربما سيتم التوصل بالمفاوضات إلى حلول وسط تفضي إلى قبول مطلب إدارة ترامب بعدم استئناف التخصيب النووي في إيران وقبول استمرار التخصيب بالحد الأدنى المسموح أي 3% فيحفظ الجميع مياه وجوههم وتستمر المنطقة في الخوف من المفاجآت غير السارة مع استمرار نزف القضية الأساس في صراعات الشرق الأوسط . أي إيجاد حلّ عادل للقضية الفلسطينية بعد طول انتظار ومعاناة فلا سلام حقيقي ولا تطبيع في العلاقات بين دول المنطقة خارج هذا الحل فهل سيعمل عليه ترامب ليستحق عندها فعلا لقب بطل السلام؟