يطالب فريق من الاهلين ومن رجال الدين بحرية التعليم ونحن من رأيهم في ذلك ، فالعلم جزء من المعرفة في معناها اليوناني الهندي الاصيل ، والمعرفة تعني الحكمة، اي سيطرة الروح الكاملة على عناصر الانسان ونشاطاته. والحكمة تعني الحرية في ما يتعدى نطاق الزمان والمكان ، في ما يتعدى القدر.
ولكن ماذا يعني هذا الفريق من الناس بحرية التعليم ؟ يقصدون من وراء ذلك فرض اطار من التفكير المعين على اذهان اولادنا الصغار الذين نرعاهم كما ترعى الام الحنون اولادها. فالذين ينادون بحرية التعليم في لبنان هم الذين يريدون ان يفرضوا على الناس احتكار مدارسهم واحتكار اجورهم واحتكار توجيههم واحتكار تثقيفهم واحتكار الوان معتقداتهم الدينية ، وان سألتهم ماذا يعنون بحرية التعليم وجدت انهم يريدون ان لا يتعمم التعليم الابتدائي في لبنان ، ولا ان يتوسع التعليم الثانوي ، ولا ان يزدهر التعليم الجامعي، لكي تستمر هذه الفئة القليلة من ارباب المدارس الخاصة تتحكم بمصير التلامذة الكبار والصغار، وبتوجيههم واحياناً بتسميم افكارهم من الوجهة المعنوية والوطنية .
ان ما نريده من التعليم الرسمي هو حرية الخير لا حرية الشر ، بالنسبة للكبار والصغار على السواء ، بالنسبة للدولة ولرجال الدين والمواطنين على السواء . ان ما نريده هو حرية الوطنية السلمية لا حرية التوجيه الاناني الانعزالي. ما نريده هو حرية توحيد اللبنانيين وجمع شملهم وصهر عناصرهم وفئاتهم، وحرية انشاء الوطن اللبناني على اسس صامدة كصخور جباله، اصيلة كعروبته التي لا تتلبس ولا تختفي ولا تزول بالرغم من محاولات العابثين والدجالين والفاتحين لألف دكان ودكان طائفية . ان ما نريده هو حرية التوجيه على اساس الدين الحقيقي وعدم التمييز بين الابيض والاسود في لبنان، بين فئات متخلفة وغير متخلفة ، بين لبنانيين وطنيين وغير وطنيين .
والحرية كما نفهمها، وكما يجب ان تكون هي حرية وضع العلم امام الجميع على السواء ، والذين يتكلمون عن حرية التعليم ينسون او يتناسون ان الحرية في هذا الباب تبقى مجرد كلام للاستهلاك اذا لم تحقق هذه الحرية عملياً افساح المجال لكل مواطن لبناني بأن يتمتع بحق التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي وبحق التخصص في الخارج.
(المرجع: مقال له نشرته جريدة الانباء في 15/10/1960 – يوم كان وزيراً يحاول اصلاح نظام التعليم في لبنان )