بعد مرور اكثر من اربعة اشهر على الحرب المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني في غزة خاصة ، وفي الضفة الغربية عامة ، تواصل اسرائيل التدمير الممنهج لكل معالم العمران في غزة، وتشنّ حرب ابادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني الذي يقاوم ذلك بشراسة بطولية على امل ان يحصل يوماً على حقوقه المشروعة بدولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة والاستمرار ، عاصمتها القدس الشريف، تستوعب عودة اللاجئين المهجّرين قسراً الى ديارهم وممتلكاتهم في فلسطين .
ومن غير المفهوم والذي من الصعب تبريره، انخراط القيادة الاميركية في هذا العدوان اللاانساني ، تسليحاً وتمويناً، ودفاعاً عما تقوم به آلة القتل الاسرائيلية في المحافل الدولية ، واندفاع قيادات الدول الاوروبية الى الوقوف الى جانب اسرائيل بحجة حقها في الدفاع عن النفس من جهة ، ورفع مجرد شعارات كلامية بضرورة حماية المدنيين ، وتأمين المساعدات الحياتية لهم من جهة اخرى.
ان ما تقوم به القوى الدولية في مواجهة ما ترتكبه اسرائيل من مجازر بحق الشعب الفلسطيني ، والتظاهر بأنها تسعى من خلال ما ترسله من وفود الى دول المنطقة العربية ، الى تحقيق مطالب الشعب الفلسطيني المحقة في تقرير المصير واقامة الدولة المستقلة بعد توقف الحرب في غزة ، فيما المخفي من هذه المظاهر هو اتاحة الفرصة للحكومة الاسرائيلية لاستكمال ما بدأت به من مجازر في غزة ، وجعلها غير قابلة للسكن ، ومحاولتها لانهاء دور منظمة الاونروا اي رعاية شؤون الفلسطينيين في مخيمات الشتات والتهجير القسري في غزة ، وبالتالي انهاء القضية الفلسطينية ونكران وجود شعب له حقوق تحميها ، نظرياً، القرارات والمواثيق والمعاهدات الدولية. ومؤخراً الوقوف الى جانب اسرائيل في رفضها لقرارات محكمة العدل الدولية .
ولعل الفشل المتمادي والتعطيل الذي تمارسه الدول الغربية في مجلس الامن الدولي هو اصدق دليل على فشل النظام الدولي القائم اليوم ، وابقاء مناشدات القيّمين على منظمة الامم المتحدة ، وقف الحرب على الشعب الفلسطيني وتأمين سلامة المدنيين وامور معيشتهم وحياتهم تبقى مجرد مناشدات كلامية ، تسعى اسرائيل الى تصوير المنادين بها اعداء للسامية .
وفي المقابل ، ما الذي يحصل في النطاق العربي والاسلامي للدفاع عن الشعب الفلسطيني المضحى به على مذبح آلة القتل الاسرائيلية؟
لن نعود الى ما عقد من مؤتمرات عربية واسلامية بقيت مقرراتها دون المطلوب ، وبدون فعالية ، بل نكتفي بالاشارة الى اللقاء التشاوري الذي جمع ممثلين عن المملكة العربية السعودية والاردن ومصر وفلسطين في الرياض بتاريخ 9 شباط الحالي وما صدر عنه:
1- ضرورة انهاء الحرب على غزة، ووقف فوري تام لاطلاق النار ، وضمان حماية المدنيين وفقاً للقانون الدولي الانساني
2- رفع كافة القيود عن ادخال المساعدات الانسانية الى قطاع غزة المنكوب، وتأمين الدعم اللازم لمنظمة الاونروا لتستمر في تأدية مهامها الانسانية .
3- اتخاذ خطوات لا رجعة عنها لتنفيذ حل الدولتين ، والاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة على خطوط 4 حزيران 1967
4- اعتبار قطاع غزة جزءاً لا يتجزأ من فلسطين
5- رفض قاطع لكل عمليات التهجير القسري للفلسطينيين من غزة او الضفة الغربية
ما صدر عن هذا اللقاء جميل جداً ويستحق ان تتبناه مجتمعة كل الدول العربية والاسلامية ، فتقرن الاقوال بالافعال بالنسبة لهذه المطالب المحقة، وتفرض على اسرائيل وقف عدوانها والاعتراف بحق الفلسطينيين المشروع بدولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة ، وقابلة للحياة .
وفي هذا السياق من المفيد التذكير بما سبق وطالب به المعلم الشهيد كمال جنبلاط في العام 1971 ، لعل في التذكير افادة لمن يريد ان يعتبر:
“نحن في سنة حاسمة ، سنة سيتقرر فيها مصير الشعب الفلسطيني ، اي اخطر قضية في مصير العرب ، اذا كانوا فعلاً يقدّرون خطر هذه القضية ، لاننا في معظم الاحيان نرى القادة العرب يتحدثون كثيراً عن الحق الفلسطيني ، ولكنهم عملياً لا يعملون شيئاً للضغط على القوى الدولية وحملها على العمل لاعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة .
في هذه السنة الحاسمة من تاريخ المنطقة ، يتبادر السؤال لماذا لايستخدم العرب سلاح النفط كوسيلة للضغط، اذا كانوا لا يستطيعون القتال؟ لماذا لا يستخدمون المصالح الاقتصادية ؟ نحن نقول لجميع القادة العرب ان الولايات المتحدة ومعها الدول الاوروبية لها مصالح ضخمة جداً في العالم العربي، فلماذا لا نضغط على قادتها لحملهم على السعي لايجاد حل شامل ودائم. ان الوقت مناسب اليوم للقيام بذلك ، والا فاتنا القطار ، وسيصعب علينا مستقبلاً مواجهة اسرائيل التي تكون قد تطورت تقنياً وعسكرياً وقد لا تكون الظروف مناسبة كما هي اليوم.”
(المرجع: مقال نشرته جريدة الانباء في 27/3/1971)
ونحن اليوم ، على خطى المعلم كمال جنبلاط ، وعلى ضوء الاصرار في الجانب الاسرائيلي على مواصلة حرب الابادة في غزة ، وتهجير شعبها الى صحراء سيناء المصرية ، امام اعين الجميع في المنطقة والعالم، نسأل ماذا ينتظر العرب المطبعون مع اسرائيل والذين على طريق التطبيع لقطع العلاقات معها؟ وماذا ينتظر جميع المسؤولين العرب لإفهام من يلزم في اسرائيل وفي سائر المراجع الدولية ، ان لا مجال اطلاقاً لقبول اسرائيل واقامة سلام معها قبل ان يتحقق للفلسطينيين اقامة دولتهم المستقلة .
كذلك نتساءل مع الكثيرين: الى اين تتجه الامور بعد الطوفان الاقصى ؟ وما الذي ستؤول اليه الامور في لبنان وفلسطين المتلازمين على ما يبدو مساراً ومصيراً؟
مما لا ريب فيه ان تداعيات “طوفان الاقصى” تخطت منطقة الشرق الاوسط لتطال طرق المواصلات وحركة التجارة الدولية والاوضاع الاقتصادية في معظم البلدان ، وخاصة تلك التي نشطت فيها جبهات المساندة لغزة ، دون ان يساعد ذلك في حماية الشعب الفلسطيني او في انقاذ الاقصى من مدنّسيه الصهاينة ؟
وفي ما خصّ لبنان الذي فتحت جبهته المساندة منذ اليوم التالي لطوفان الاقصى، لازال القلق على المصير سيد الموقف ، ولازال خطر تعرضه لعدوان غادر اسرائيلي شبيه لما يحصل في فلسطين يؤرق اللبنانيين . فهل تدمير لبنان يوقف تدمير فلسطين ولحماية لبنان واعادة بناء الدولة فيه ، لابد من انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة قادرة، تحرك المؤسسات والقطاعات وتعيد الانتظام الى النشاطات كافة في البلاد. لمصلحة لبنان والعرب وايران وفلسطين والمحافظة على سلامته وامنه والسعي الى حمايته من خلال التمسك بالقرار 1701 والمطالبة بتطبيقه كاملاً من الجانبين الاسرائيلي واللبناني . وهذا يفترض وجود سلطة كاملة المواصفات ، فهل سيفعل السياسيون والقادة اللبنانيون ؟