العرب ، حكاماً ومواطنين ، هم بحاجة في هذه الفترة العصيبة الى ضبط اعصاب وتحليل عقلي سليم للامور ونتائجها وابعادها ، والى مواجهة عملية وتخطيط لما تبرزه الوقائع القائمة . فمنهم من يتخوف من الحل السلمي وبخاصة اخواننا الفلسطينيون والشباب منهم بنوع خاص. وهؤلاء جميعهم يخيفهم الحل السلمي لما قد يتضمن من تسوية لا تكون في صالح اخواننا الفلسطينيين وتقطع الطريق من جهة اخرى على ارباب النفوس الحالمة بالتمرد او المتشبعة بنظريات الثورة وسواها. على انه يجب ان نرى الاشياء، كما هي ، وانه لا يوجد امامنا الا حلول ثلاثة :
اولاً: الحل السلمي الذي يشمل اولا القضية الفلسطينية برمتها. وشموله للقضية الفلسطينية يتوقف على قوة العرب واتحادهم والجبهات العسكرية التي يكونون قد أنشأوها ووحدوا القيادة في ما بينها ، وعلى تصاعد المقاومة الفلسطينية من الخارج وفي الداخل ، لان السياسية والديبلوماسية هما في النهاية تعبيران طبعاً عن مقدرة الفرد المفاوض وحنكته وذكائه، ولكنهما مرتبطتان بوزن القوة ومقياس القدرة العسكرية التي يكون عليها.
ثانياً: الحل الذي ينتسب الى مفاهيم تصعيد عمل المقاومة الافلسطينية والعربية الى مستوى تحويلها الى حرب شعبية على طريقة فييتنام كما يحلم بعض شبابنا بها، وفي اكثر الاحيان دون ان يتصوروا انهم سينخرطون بها ، ويناضلون في صفوفها. ان مثل هذل الحل تعوزه في الواقع سنوات عديدة لاجل تحقيقه ، وهو بحاجة ، على حدود العدوان القائم ، الى قوات ردع عربية منسقة وكبيرة وموحدة القيادة لمنع اسرائيل من ضرب العرب ضربة اخرى ساحقة .
ثالثاً: الحل الثالث هو الحل العسكري الذي يتوقف نجاحه وانطلاقه على قوة وتنظيم الجيوش العربية وحشدها في مناطق انطلاقها لتحرير اراضي العدوان والاراضي المغتصبة ذاتها، ولكننا لا نرى اي سعي صحيح وواقعي لتحقيق ذلك.
في هذا الجو العام / يبقى الحل السلمي واقعاً وفعلاً اقرب الحلول لان الدول الكبرى في مجموعها لن تستطيع عملياً ان تتحمل استمرار الوضع في الشرق العربي على ما هو عليه من تنازع وتأزم شديد يهدد في كل حين بالانفجار ، وبالتالي بتدمير ما تبقى من النفوذ السياسي للغرب الاوروبي وللولايات المتحدة في المنطقة وبتهديم مصالح هذه الدول . هذا من جهة ، ومن جهة اخرى فان التنين الصيني يطل برأسه من نافث اللهب من الشرق الاقصى بعد ان اضحى للاختبار الصيني وللمبادرات الصينية في العالم الثالث ولنهجها الثوري تأثير عظيم في اوساط فئات كثيرة في هذا العالم .
على ان هذا الحل السياسي يجب ان يأتي متلائماً مع آمال واماني اخواننا الفلسطينيين الذي لهم الحق الاول في تقرير مصيرهم وفي رعاية قضيتهم .
(المرجع: مقال لكمال جنبلاط نشرته جريدة المحرر بتاريخ 22/4/1969 ورد في الصفحة 148 من كتابه “فلسطين قضية شعب … وتاريخ وطن”)