هذه الدعوة المثلثة للوحدة موجهة للقادة السياسيين في لبنان ، والى المجموعة العربية ، والى الفصائل الفلسطينية . والداعي اليها ما يعاني منه لبنان من فشل في التوافق على حلول لما يواجهه من ازمات وجودية . وما تتعرض له المجموعة العربية من تحديات مصيرية في مواجهة الاطماع الاقليمية والمحاولات الدولية لليسطرة على القرارات السياسية ، واقتناص المنافع الاقتصادية والابقاء على الشرذمة بين مكوناتها. كما هي موجهة للفصائل الفلسطينية للقول لاربابها بأن لا حل مشرّف وعادل للقضية الفلسطينية في ظل ما هو قائم من انقسام وتعدد ولاءات في صفوف الشعب الفلسطيني.
ومن لبنان نبدأ، ونسأل ارباب السياسة والسلطات المفترض انها مسؤولة عن ادارة شؤون الوطن والمواطنين . هل انتم تدركون فداحة ما يواجهه لبنان اليوم من فراغ وشغور في المناصب العليا وازمات معيشية خانقة ومخاطر خارجية تهدد السيادة والكيان والوجود، تتمثل بالعدوان الاسرائيلي الوحشي المتواصل على لبنان ، والتهديد المتصاعد بتدمير الوطن بكل مقوماته ، وبالنزوح السوري الذي تتفاقم تداعياته على لبنان . هل تدركون وانتم تتولون مقدرات هذا البلد، الى اي درك من الانهيار أوصلتموه؟ ألم تثبت لكم الايام والاحداث ان سياسة التكاذب المشترك والعيش المشترك والوحدة الوطنية التي تمارسونها بالكلام وتبويس اللحى، قد فقدت مدلولها لانكم تنطقون بكلام ، وتمارسون ضده، تحرككم عصبيات دينية ومنافع شخصبة وحزبية وفئوية ومذهبية ، وارتباطات خارجية، وهذه كلها تمنع قيام الدولة التي يحلم بها اللبنانيون. فمثل هذه الدولة تقوم على مبدأ الثواب والعقاب والمحاسبة والتعاطي مع الامور والقضايا العامة بجدية وشفافية ورؤى مستقبلية اصلاحية توفر استدامة التطور والتقدم بمنطق العدالة والمساواة بين الجميع في الوطن ، وهذه الشروط كلها ليست متوفرة في ادارة شؤون اللبنانيين اليوم ، وسط تمسككم بذهنية سياسية قائمة على المحاصصة والمناكفة والنزاع حتى الاقتتال او الارتباط بقوى ومحاور اقليمية او دولية للاستقواء بها على الاخر الشريك في الوطن.
لكي يخرج لبنان من معاناته ويسلم من المخاطر التي تهدد كيانه ووجوده ، يحتاج الى رجال دولة يتمتعون بالاخلاق والقيم والنزاهة والكفاءة والولاء الصادق للوطن.
ولكل ما سبقت الاشارة اليه ، عليكم ، قبل فوات الاوان، التخلي عما مارستموه ، وما زلتم، واعتماد مسلك جديد، بعيد عن كل الاعتبارات المعطلة لقيام الدولة، والتلاقي الصادق بعيداً عن الازدواجية في التصرف، والعمل الجاد لتحقيق وحدة وطنية صادقة ، تبني الدولة المنشودة ، وتحصّن الوطن وتعيد الثقة بكم ، والاحترام للوطن الذي لا يزال يحمل مقومات وطن الرسالة .
ومن لبنان الحلم الضائع الى القادة العرب اليوم ، نذكّرهم بأن فكرة القومية العربية هي التي حركت في الماضي الشعوب العربية وقادتها آنذاك، للثورة على السيطرة العثمانية التي ارتدت النزعة العنصرية التركية في مطلع القرن العشرين بإسم “تركيا الفتاة” والسعي لبناء دولة عربية مستقلة موحدة ، على الاقل في القسم الشرقي من العالم العربي بعد تحريره من العثمانيين. وقد تحالفوا لهذه الغاية مع الدول الحليفة المتحاربة مع السلطنة العثمانية ، ونالوا منها وعوداً بتحقيق هذا الهدف.
صدق العرب وصدّقوا الوعود، الا ان قادة الحلفاء المنتصرين في الحرب ، غدروا بالعرب، ونكثوا وعودهم، وتقاسموا المنطقة العربية في مشرقها ومغربها الى دول مستعمرة لهم تابعة لبريطانيا وفرنسا وايطاليا. ولم تصدق بريطانيا الا في تنفيذ الوعد الذي اطلقه وزير خارجيتها بلفور للحركة الصهيونية في اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بتاريخ 02 تشرين الثاني 1917. وهكذا دق الاستعمار الاوروبي اسفين نزاع دائم بين العرب والصهاينة الذين فصلت دولتهم اسرائيل بين المشرق العربي والمغرب العربي وشرّدت الشعب الفلسطيني من ارضه ووطنه، وعرقلت حركة القومية العربية والعروبة .
وعندما حاول العرب بعد نيلهم الاستقلال في اعقاب الحرب العالمية الثانية ، تأسيس جامعة الدول العربية سنة 1945 كخطوة اولى لاقامة دولة اتحادية عربية بعد استكمال سائر المناطق العربية في المغرب العربي والخليج العربي استقلالها، استطاع النفوذ الاستعماري ضرب هذه المحاولة وشرذم العرب على اسس اقليمية محلية مذهبية وطائفية ودينية وعنصرية وتوزع بلدانهم على الاحلاف والمعسكرات المتنازعة السيطرة على العالم التي تشكلت بين الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي . ولذلك شهدت الدول العربية موجة من الانقلابات العسكرية ذات النزعة الديكتاتورية الشخصية والحزبية ، وسادت فكرة اولوية المحافظة على النظام على واجب الدفاع عن الارض والسيادة، فتمكنت اسرائيل وليدة الاستعمار من طرد وتشريد الشعب الفلسطيني من ارضه ووطنه ، وتوسعت في اراضي بلدان الجوار الفلسطيني لبنان وسورية والاردن ومصر. وفي سياق هذا المسار التراجعي للعروبة برزت مشاريع توسعية الى جانب المشروع الصهيوني ، على اسس مذهبية دينية وتطلعات امبراطورية. وكان ابرزها المشروع الايراني الشيعي ، والمشروع التركي السني الى جانب المشروع الصهيوني العنصري. وغاب او غيّب المشروع القومي العربي فانهارت الدولة لحساب الدويلات في لبنان وسوريا والعراق واليمن والسودان والصومال وليبيا وتونس والجزائر والمغرب. كما ترسخت فكرة الاتحاد الخليجي في المشرق ، وقابلها مشروع فاشل للاتحاد في دول المغرب العربي ، وتوالى انحياز دول عربية الى التطبيع والصلح مع اسرائيل رغم تفاقم اجرامها بحق الفلسطينيين وبقيت كل مقررات القمم العربية مجرد حبر على ورق واصبح مصير فلسطين ومستقبل الدول العربية على طاولة البحث بين الدول الكبرى والدول الاقليمية لتقاسم الحصص والنفوذ ، ووراثة التركة العربية التي اصبحت “رجل مريض” القرن الحادي والعشرين .
هذا العرض لما آلت اليه الامور في العالم العربي نأمل منه ان يكون له تأثيره على القادة العرب اليوم ، فيستفيدون من تجارب الماضي وهزائمه ، وتنبعث من جديد عندهم روح العروبة الحضارية المنفتحة على الاخرين والتعامل معهم من الند للند ووفقاً للمصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى. ونقول لهم :
“الوحدة… ثم الوحدة هي السبيل الوحيد لاعادة الاعتبار للعرب وتطلعاتهم وقوميتهم السمحة. ”
وفي الانتقال الى الموضوع الفلسطيني نلاحظ ان ما تشهده غزة وسائر المناطق الفلسطينية اليوم من عدوان وحشي همجي في البر والبحر والجو، والمذابح التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني، والحصار الذي يفرضه عليهم ويمنع وصول الماء والغذاء والدواء والوقود هو مناف لكل القوانين والاعراف الانسانية والدولية ويهدّد بالتوسع ليشمل لبنان وسوريا والاردن ومصر ، وربما سائر بلدان منطقة الشرق الاوسط، ويقضي بالتالي على مختلف مشاريع القوى العظمي التي تتنافس على طرق المواصلات العالمية في الشرق الاوسط بالتعاون مع عدد من الدول العربية واسرائيل وفرض مشاريع التطبيع بين العرب واسرائيل .
صحيح انه ،مبدئياً، يوجد اجماع عربي على اعتبار القضية الفلسطينية قضية العرب الاولى ، وتنديد دائم بما ترتكبه اسرائيل من اجرام بحق الشعب الفلسطيني بدوافع توسعية عنصرية وانتقاد للانحياز الاوروبي والاميركي لجانب اسرائيل والتغطية على جرائمها ، واستصراخ الضمير العالمي لمحاسبتها ، وسط معرفة مسبقة بأن نفوذ هذه الدول في مجلس الامن الدولي وتمتعه بحق النقض “الفيتو” يعطّل فعالية اي قرار يصدر عنه لمحاسبة اسرائيل ، ويحول دون تنفيذه ، الامر الذي يحمي اسرائيل من اية محاسبة ، ويتيح لها مواصلة ارتكباتها ضد الشعب الفلسطيني لدرجة انكارها لحقه في الوجود.
صحيح ان الدعم الكلامي العربي والحماسي لفلسطين لم يترجم الى عمل فاعل لمساعدة الفلسطينيين في استعادة حقوقهم المسلوبة، وصحيح ان الدعم الاسلامي لم يكن افضل حالاً، وصحيح ايضاً ان تصريحات زعماء الدول الكبرى حول اقامة الدولتين على ارض فلسطين يبقى كلام مناسبات ، في التغطية على جرائم اسرائيل ، فان كل ذلك لا يعفي الفلسطينيين من مسؤولية ما يعانونه. بالطبع مسؤولية تحرير فلسطين واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في القدس الشرقية عاصمة لها هي مسؤولية الشعب الفلسطيني الذي يقاوم ويضحي منذ ثلاثينات القرن العشرين ولكنه لليوم لم يصل الى ما يتوخّاه والسبب لذلك معروف ، والسؤال يطرح نفسه : هل باستمرار الشعب الفلسطيني مشرذماً على فصائل متناحرة وموزعة الولاءات يمكن تحقيق التحرير والنصر؟ ونقول بمحبة للقادة الفلسطينيين : لا سبل امامكم لتحقيق النصر وقهر العدو سوى الوحدة، ثم الوحدة ودائماً الوحدة.