“اننا نتوجه من جميع المسؤولين والسياسيين اللبنانيين ان يتركوا جانبا امور نجاحهم او فشلهم في الانتخابات النيابية ، وان يترفعوا عن اطماعهم وطموحاتهم الشخصية ، لينظروا الى مصلحة الوطن والمواطنين بعد المعاناة التي حلت بلبنان في هذا العهد من تفاهة الحكم وضعف السلطات وانحطاط القيم وانتشار الفساد وتصاعد الروح الطائفية والمذهبية ، والانقسامات العامودية .”
(كمال جنبلاط في بيانه الرئاسي للعام 1974)
بعد النتائج التي افرزتها الانتخابات النيابية الاخيرة كثرت الشائعت والتوقعات المتشائمة حول مستقبل الاوضاع في لبنان. فليس سرا ان البلد يواجه حالياً اسوأ ازماته في مختلف المجالات المالية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والصحية والتربوية والبيئية وسواها. وكلها تعود الى الارتطام الكبير والوصول الى سابع جهنم التي وعدنا بها حكام فشلوا في ادارة شؤون الوطن والمواطنين. وليس سراً ايضاً ان السياسات الدولية وما ادت اليه من ظروف اقليمية متوترة وغير مستقرة، مكّنت طرفاً لبنانياً، معيناً له ارتباطات اقليمية ان تكون له سيطرة شبه كاملة على مقدرات البلد وعلى قرارات ادارة شؤونه على حساب سائر شركائه في الوطن، ونجم عن ذلك انقسامات عامودية وتداعيات خطيرة. على الاوضاع في مختلف المجالات. كذلك ليس سرا ان قانون الانتخابات المعمول به قد فصّل على قياس مصالح فريق معين لتمكينه في الحصول على اكثرية نيابية مريحة توفّر له القدرة على الاستمرار في التحكم بالقرارات على مستوى كل السلطات. وليس سرا اخيراً ان اطرافاً معروفة مارست وسائل الترغيب والترهيب والتهديد اللفظي والميداني على الناخبين والخصوم من المرشحين ، فيما اطراف اخرى استغلت الاوضاع المعيشية السيئة لتشتري الاصوات بالمال او بالمساعدات العينية.
في هذه الاجواء اجريت الانتخابات النيابية ، واظهرت نجاح مجموعة من الشبان والشابات في الوصول الى النيابة تحت شعار “التغيير”. ومع ذلك تقتضي الواقعية الاعتراف بأن مجمل النتائج لا تضمن القدرة على وضع الحلول الكفيلة بإخراج اللبنانيين من معاناتهم ، فالمجلس النيابي الجديد توزّع على اقليات متنافرة ومتناكفة يصعب عليها انجاز ما تحتاج اليه البلاد من حلول سريعة للازمات القاتلة التي تهدد كيان الوطن وصيرورته. وما تشهده الاوضاع من تشرذم وتأزم في مختلف المجالات، يبرر توجيه السؤال لأرباب السلطات والسياسيين والنواب : الى اين نحن سائرون؟
ففي المباشر، الجلسات التي عقدها المجلس النيابي الجديد برهنت نتائجها ان المنظومة التي اوصلتنا الى ما نكابده اليوم ، ستستمر في ادارة شرون البلاد بسبب التشتت الحاصل بين النواب . في حال استمرت هذه الانقسامات والاصطفافات على حالها ، وهذا هو المرجّح ، فسيكون من الصعب جداً تشكيل حكومة جديدة لقدرة الفريق المتماسك الممسك بالقدرة على التعطيل وفرض الاستمرار في حكومة تصريف الاعمال وما يترتب عليه من تفاقم في الاوضاع وفشل اكيد في المعالجة . وهذا سيؤدي حكماً الى معضلة الفشل وتعطيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية ، فيشمل الفراغ مختلف السلطات ، ودخول البلاد في مأزق مميت لا احد يدري كيفية الخروج منه ، وسط ما تشهده المنطقة والعالم من ازمات وتوترات اليوم .
لبنان فعلاً الى اين ؟
في كتابها “موت دولة” كتبت تانيشا فازال الاميركية : “اي دولة تفقد السيطرة على سياستها الخارجية لمصلحة دولة اخرى تصبح عاجزة عن التصرف باستقلالية على المسرحين الاقليمي والدولي ، وبالتالي يبطل كونها دولة .”
ولبنان ، بفضل المنظومة الحاكمة والمتحكمة ، فقد السيطرة ليس فقط على سياسته الخارجية، وقرار السلم والحرب ، بل ايضاً على سياسته الداخلية وادارة شؤون الدولة اليومية ، لمصلحة فريق من مكوناته مرتبط بدولة اقليمية وفرّت له فائض القوة للتحكم بالقرار والمصير، فيما تطلب السلطات الرسمية من العديد من الدول: الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وايران ومصر ، وغيرها من الدول والمؤسسات الدولية والاقليمية التدخل والمساعدة لايجاد حلول لأزمات لبنان وتربط موضوع تشكيل الحكومة وانتخابات الرئاسة بالتفاهم الخارجي الاقليمي والدولي. الا يعني ذلك عملياً ان لبنان قد تخطى مجرد كونه دولة فاشلة ليصبح دولة ميتة سريرياً؟
ونقول من جديد لأركان المنظومة المتحكمة الديبلوماسية بلا قوة مثل الموسيقى بلا آلات. وقوة بلا ديبلوماسية قوة خارج الشرعية وديبلوماسية شكلية لتغطية تلك القوة.
لبنان ايها الحكام على مفترق طرق، وانتم مسؤولون عما ستؤول اليه الامور ، فماذا انتم فاعلون ؟ محكمة التاريخ لن ترحم فشلكم الذي اوصل البلد الى هذه الهاوية ، فهل من صحوة ضمير تقودكم الى التخلي عن مصالحكم وطموحاتكم الشخصية والفئوية لصالح العمل المجرد لانقاذ المواطنين والوطن؟ نأمل ذلك!
على ضوء ما يحصل في بيروت وبغداد هذه الايام
كلام للجواهري شاعر العراق الكبير من الماضي يحاكي الحاضر
“جلل مصابك يا بيروت يبكينا
يا اخت بغداد ما يؤذيك يؤذينا
ماذا اصابك يا بيروت دامية
والموت يخطف اهلك واهلينا
عضي على الجراح يا بغداد صابرة
بيروت تعرف ما فيها وما فينا
بيروت تعرف من بالروح يفجعنا
علم اليقين وكأس الموت يسقينا
نادي بنيك وقصّي بين اظهرهم
ضفائر الطهر او حتى الشرايين
عضّي على الجرح يا بغداد واتعظي
من احرق الارز لن يسقي بساتينا”