من ابرز مزايا كمال جنبلاط، اقتران القول بالفعل ، والمبدأ بالممارسة. كان يكره الازدواجية ويعتبرها نفاق، وهو لا يقبل النفاق ، ويحتقر المنافقين.
وانطلاقاً من هذه المسلمات عنده ، ماذا كان سيقول في مواجهة ما يحصل اليوم على ارض فلسطين، وفي دنيا العرب. ماذا كان سيقول عن المواقف الدولية المجانبة للحق والساكتة عن العدوان ؟
كان بالطبع سينصر الحق والنضال الفلسطيني ، فهو في الاساس، ومنذ بروز المشكلة الفلسطينية، اعتبر قضية فلسطين والشعب الفلسطيني قضية وطنية عادلة ، بل قضية انسانية واخلاقية تمس جوهر الالتزام السياسي والاخلاقي لدى كل انسان… كمال جنبلاط أكد عند حصول النكبة سنة 1948 وتشريد الفلسطينيين من ديارهم، ان لا سبيل للدفاع الفعلي عن فلسطين، وحقوق الفلسطينيين من دون تمكين شعبها من الاعتماد على نفسه فكرياً وسياسياً وتمويلياً للتصدي للعدوان الصهيوني ، ودعا الفلسطينيين للتصعيد في مواقفهم الى مستوى المجابهة الشعبية الفاعلة ، وشن حرب تحرير حقيقية ، وعبّر عن ذلك بقوله سنة 1976:
“انا اؤمن بالعمل الفدائي وجدواه وفاعليته. فهو يرهق جيش العدو الاسرائيلي ، ويفسد عليه نشوة النصر العسكري واحلام الطمأنينة. كا يدق بعنف لايقاظ الضمير العالمي المتخلي عن الاخلاقيات في مواقفه المتخاذلة المشجعة للعدوان الصهيوني .”
(من مقابلة له مع مجلة “فلسطين الثورة” سنة 1976)
كمال جنبلاط آمن بقدرة الفلسطينيين على النضال في سبيل التحرر واستعادة الارض ، وتأمين عودة اللاجئين الفلسطينين الى ديارهم في فلسطين ، واقامة الدولة الفلسطينية ، وعاصمتها القدس. وحرص على تأكيد ذلك ، منذ العام 1949 في الصفحة 68 من ميثاق الحزب التقدمي الاشتراكي ، حيث ورد “اعتبار الكفاح الشعبي في سبيل تحرير فلسطين من الصهيونية حافزاً رئيسياً لحركة التجمع العربي الساعي الى الوحدة ، والى اقامة اتحاد علماني عربي ديموقراطي لا مركزي يشكل نطاق ضمان للتعددية والتعايش اليهودي داخل الكيان الفلسطيني الديموقراطي ، لصهر الفئات اليهودية في المجتمع العربي ضمن تنوّع متناسق خلاق.”
لقد بادر كمال جنبلاط في ستينات وسبعينات القرن الماضي الى دعم المقاومة الفلسطينية بكل ما اوتي من قوة وشجاعة واقدام ، قولاً وعملاً ونضالاً، مستخدماً رؤاه المستقبلية ، وعلاقاته العربية والدولية ، لنصرة الحق الفلسطيني بمحتلف الوسائل الممكنة. ما كان يفعله كمال جنبلاط لنصرة هذا الحق ، حمل القادة المناضلين العرب في مختلف الدول العربية الى الاجتماع في بيروت سنة 1972 والاعلان عن قيام “الجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية” وانتخاب كمال جنبلاط بالاجماع اميناً عاماً لها.
اعتبر كمال جنبلاط هذا الانتخاب تتويجاً لنضاله من اجل الحقوق الفلسطينية ، واقام ارتباطاً وثيقاً بين هذه الجبهة وبين الحركة الوطنية اللبنانية التي قادها في عقد السبعينات من القرن الماضي ، وحتى تاريخ استشهاده في 16 آذار 1977، من اجل لبنان مدني علماني ، وفلسطين علمانية ديموقراطية ، وعروبة متنورة . وقد اعتبره الفلسطينيون شهيداً للقضية الفلسطينية.
كمال جنبلاط الوفي لمبادئه ومسيرته النضالية انتقد بشدة الانظمة العربية المتخاذلة عن القيام بالمطلوب منها قومياً لدعم النضال الفلسطيني، واكّد في الصفحة 203 من كتابه “لبنان وحرب التسوية ” في مقال له بعنوان “المساومة على الشعب الفلسطيني” “نحن نقول بكل صراحة اننا كحزب تقدمي اشتراكي، وكحركة وطنية لبنانية سنستمر في ان نكون الاخصام الحقيقيين لسياسة الولايات المتحدة الاميركية التي تدعم الكيان الاسرائيلي ، وتحمي العدوان الصهيوني ، ولم تعترف وربما لن تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني. واننا اليوم ، كما في الماضي سنواصل رفع صوتنا بإسم المليون ومايتي الف نازح فلسطيني ، ونقول للمسؤولين العرب ان كل تسوية تتجاهل عودة هؤلاء النازحين الى ديارهم في مختلف انحاء فلسطين. وكل تسوية تقبل بأقل من حدود 1947 المقررة في هيئة الامم المتحدة هي تسوية مرفوضة لانها تتعارض مع تطلعات واماني الشعب الفلسطيني ، وتتنكر لحقوقه الشرعية الاساسية في تقرير المصير ، ونعتبرها استسلاماً. ستبقى مواقفنا ثابتة، وصوتنا صارخاً هادراً في وجه كل من يريد ان يساوم على حقوق شعب فلسطين الى ان يتحقق لهذا الشعب ما هي حقوق مشروعة له”
هذا الموقف اعلنه كمال جنبلاط سنة 1976،فماذا كان سيقول لو كان شاهداً على ما يحصل اليوم في فلسطين ودنيا العرب ، وعلى المستوى الدولي تجاه الفلسطينيين؟
بالطبع كان سيشد على ايادي المناضلين الفلسطينيين الشباب الذين يثبتون على ارض الواقع ، كأفراد وكشعب عن بطولات استثنائية في مواجهة الظلم والقهر والاقتلاع والتشريد، كما هو حاصل في حي الشيخ جرّاح، وفي حرم المسجد الاقصى في القدس ، والذي امتد ليشمل سائر المدن والقرى الفلسطينية على كامل ارض فلسطين في تصديهم البطولي للعدوانية الصهيونية العنصرية (الابرتايد Apartheid)الساعية الى اقتلاع وتشريد من تبقى في فلسطين من فلسطينيين ، بهدف اقامة الدولة العنصرية اليهودية التي بدا العمل لتحقيقها سنة 1948 ولا تزال متواصلة الى اليوم.
وكان في المقابل سيدين الانقسام والتشرذم على مستوى القيادات الفلسطينية ويدعوها الى التخلي عن المواقف التي تضعف فرص تحقيق المطالب ، والالتفاف حول وحدة الموقف من اجل وحدة الهدف. وكان سيدين ايضاً الشرذمة العربية والتهافت على التطبيع مع اسرائيل ، والتخلي عن المبادرة العربية (قمة بيروت 2002) القائمة على اعادة الارض والشعب الى دياره في فلسطين مقابل ابرام الصلح واقامة السلام في المنطقة العربية . وكان بالطبع سينتقد الانحياز الدولي الى جانب اسرائيل المعتدية وتصويرها وكأنها معتدى عليها ، فيما يتناسى زعماء هذه الدول وخاصة الادارة الاميركية ان الفلسطينيين هم المعتدى عليهم ، وان الواجب الاخلاقي والانساني يفرض عليهم العمل المتجرد الذي يكفل للشعب الفلسطيني حق تقرير المصير واقامة دولته المستقلة على ارض فلسطبن واعتبار القدس عاصمة لها . وكان سيقول لنا ما سبق له وقاله في 23 تموز 1968 في اعقاب حرب 1967 : “الانتصار على اسرائيل يقوم بادئ ذي بدء في الانتصار على انانيتنا ونزواتنا وعلى روح التشيّع والانقسام . لنفعل ذلك ولو لمرة ، فنشكل قوة قادرة على التصدي ودعم التحرك الفلسطيني والثورة التحريرية الفلسطينية وتمكين الفلسطينيين من احراز النصر.”
بيروت في 24 ايار 2021
عباس خلف