من البديهي طرح مثل هذا السؤال مع التخاذل اللبناني بتطبيق الإصلاحات المطلوبة من قبل صندوق النقد الدولي، وهي التي وضعها صندوق النقد الدولي كشرط أساسي للتوقيع على برنامج مع صندوق النقد الدولي.

صندوق النقد الدولي وبعد زيارة وفده إلى بيروت الأسبوع الماضي، أصدر تقريرًا أقل ما يُقال أنه يُشكّل إنذارًا أخيرًا. في هذا التقرير قال وفد صندوق: “لبنان حالياً على مفترق دقيق حيث بقي على مدى أكثر من ثلاث سنوات يواجه أزمة منقطعة النظير”، مُضيفًا “أدى التخلخل الاقتصادي الحاد والانخفاض البالغ في قيمة الليرة اللبنانية والتضخم ثلاثي الأرقام إلى التأثير بصورة مذهلة على حياة الناس وأرزاقهم”.

الصندوق أشار إلى أن مستويات البطالة والهجرة “ارتفعت ارتفاعًا حادًا، والفقر يسجل معدلات قياسية، وشهدت إمدادات الخدمات الأساسية كالكهرباء والصحة والتعليم العام اضطرابًا بالغًا، كما تعرضت برامج الدعم الاجتماعي الأساسية والاستثمارات العامة للانهيار، وتراجعت قدرات الإدارات العامة بشكلٍ كبير ولم يعد بوسع البنوك توفير الائتمان للاقتصاد وباتت الودائع المصرفية غير متاحة غالبًا للعملاء”، وشدّد على الدور السلبي لأعداد كبيرة من اللاجئين والتي فاقمت مستوى التحديات التي يواجهها لبنان.

وذكر التقرير عدد من النقاط السلبية التي لها تداعيات كبيرة على الاقتصاد وعلى الشق الاجتماعي. من هذه النقاط نذكر:

– التضخم (بثلاث خانات) مدفوعًا بإنخفاض حاد بقيمة الليرة اللبنانية وهو ما ينعكس سلبًا على الثقة بالنظام المالي اللبناني والزيادات الكبيرة في المعروض النقدي.

– “الآثار المتشابكة لتعاميم مصرف لبنان التي تفسح المجال أمام أسعار الصرف المتعددة والمراجحة بغرض المضاربة”.

– تعتمد الحكومة على التمويل من البنك المركزي، وعلى تراكم المتأخّرات وكل ذلك في ظل تداعي إيرادات الموازنة؛ مُشدّدًا على أن عجز الموازنة الذي يزيد قليلًا عن 5% من الناتج المحلّي الإجمالي، كان ليكون أكبر من ذلك لو “تم إدراج العمليات المالية العامة التي يواصل البنك المركزي تنفيذها – مثل توفير النقد الأجنبي بأسعار مدعومة”.

– الضغوطات الهائلة التي يتعرّض لها “في ظل تآكل مركز رأس المال والخسائر الدفترية الهائلة التي تلوح في الأفق”.

– التردّي في الحساب الجاري حيث أن “التحسن الكبير في عجز الحساب الجاري خلال 2020-2021” ذهب مع الرياح في العام 2022 مع توقّعات بعجز يفوق الـ 25% من الناتج المحلي الإجمالي! مُضيفًا أن ضعف المركز الخارجي وقرارات “السياسة النقدية المخصصة” أدّى إلى تراجع كبير في الاحتياطيات الأجنبية والتي وصلت إلى 10 مليارات دولار أمريكي في أواخر العام 2022 من دون إحتساب إحتياط الذهب.

أيضًا ورد في التقرير سيناريو خطر حذّر منه الصندوق وينصّ على أنه وبدون “إصلاحات سريعة” يتجّه لبنان إلى أزمة لا نهاية لها، حيث ستزيد البطالة والفقر وتتراجع الإمكانات الاقتصادية مقوضاً بذلك “دعائم الثقة في المؤسسات الوطنية” وإستمرار “القيود التي تكبح الاقتصاد”. هذا الأمر سيزيد ضعف المركز الخارجي للبنان وسيستنزف الاحتياطيات من العملات الأجنبية الموجودة في المصرف المركزي وهو ما سيؤدّي بدروره إلى إستمرار هبوط سعر الصرف وإرتفاع التضخم. بالطبع هذا الجوّ سيسرعّ من مخاطر الدولرة النقدية المرتفعة بالفعل. ويُضيف الصندوق أن الاقتصاد النقدي سيزيد أكثر وسيُقلّص إمكانية جباية الضرائب ويحدّ من قدرة الخزينة على الانفاق مع زيادة مخاطر ترسخ الأنشطة غير الشرعية.

ولعل المُلّفت إنتقاد التقرير لما أسماه بحالة “اللا فعل” والتي تُسبب أضرارًا بشريحة “السكان المُنخفضة الدخل إلى متوسطة الدخل وتُضعف إمكانات لبنان الإقتصادية على المدى الطويل”، وطالب بضرورة إتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة من قبل الحكومة والمجلس النيابي والبنك المركزي وذلك بهدف التصدّي “للضعف المؤسسي والهيكلي طويل الأمد لتحقيق الاستقرار للاقتصاد وتمهيد الطريق أمام تعاف قوي ومستدام”.

هذا الحثّ من قبل الصندوق لا يلّقى أذنًا صاغية من قبل السلطات في لبنان على الرغم من خطورة الوضع الإقتصادي والمعيشي. وهنا يُطرح السؤال عن الأسباب وإذا ما كان السلطات بدأت تتبع المنهجية المكيافلِّيَّة أو أنها لا تعّي خطورة الواقع أو أنها تعتمد على معطيات سياسية أخرى؟

بالطبع لسنا هنا لتقييم الأداء السياسي للسلطة خصوصًا أن هذا الأمر يخرج عن نطاق مقال إقتصادي، إلا أن الدستور الذي أعطى حصرية القرار الإقتصادي للسلطة التنفيذية وبالتحديد الحكومة اللبنانية، أعطى للمجلس النيابي حقّ مراقبة ومساءلة الحكومة. فلماذا لا يعمد المجلس النيابي إلى هذه المساءلة؟

الجواب بكل بساطة يعود إلى أن الحكومة هي مجلس نيابي مُصغّر يصعب معها المساءلة!

من هذا المُنطلق، نرى أنه وبغض النظر عن رغبة القوى السياسية المضي في توقيع برنامج مع صندوق النقد الدولي أم لا، هناك ضرورة لأن تعمد الحكومة ومن خلفها المجلس النيابي إلى القيام بالإصلاحات نظرًا إلى إستحالة الإستمرار في الواقع كما هو عليه الأن.

فالتآكل المُستمر في إحتياطات المصرف المركزي من العملات الصعبة، سيضع الأمن الغذائي في خطر مع عدم القدرة على الإستيراد في ظل فترة وجيزة. وهذا الأمر سيجعل من لبنان حكمًا تحت وصاية دولية – أقلّه مالية – حيث لن يكون بمقدور لبنان الإستيراد وبالتالي هناك حاجة لدولة أخرى أو مؤسسة دولية للقيام بدور الوسيط بين لبنان والخارج لتأمين حاجاته من المواد الغذائية والمحروقات والأدوية.

إنه فعلًا زمن رديء حيث بعد أن كان لبنان من أوائل الديموقراطيات في المنطقة، وبعد أن كان يتربّع في المرتبة الرابعة عالميًا بين الدول الأكثر ازدهارًا في ستينات القرن الماضي، أصبح اليوم يحتل المراتب الأولى في الفقر والتضخم وغياب العدالة الاجتماعية والهجرة. كل هذا بسبب أداء سيء في الحوكمة المالية والإقتصادية للحكومات المتعاقبة.

وبالتالي آن الأوان أن تعمد القوى السياسية إلى تحييد الاقتصاد عن الصراعات السياسية القائمة والتي بدأت قبل قيام الدولة ومُستمرة حتى الساعة ولا مؤشرات على أنها ستنتهي.