شاركت مؤخراً في نقاش أطروحة السيدة رولا عازار دوغلاس، وموضوعها “الصحافة اللبنانية من منظور الجندر” او النوع الاجتماعي، في جامعة القديس يوسف.

وبالرغم عن الانطباع الذي قد نكوّنه، عن تطور المجتمع اللبناني وعن مشاركة المرأة وظهورها في جميع الميادين بما فيها الميديا، وخصوصاً بعد ثورة أكتوبر 2019، كفاعلة وقيادية في الثورة؛ وعلى شاشات التلفزة، كمشاركة ومذيعة متميزة في التلفزيونات، كما في بعض البرامج الناجحة التي تستقطب جمهورا واسعا.

كذلك مشاركتها الفعالة في جميع القطاعات، من القطاع العام الى القطاع المصرفي والصناعي والزراعي والأعمال والمهن الحرة وفي التعليم والطبابة والتمريض، وغيرها من الميادين، ما عدا الميدان السياسي بالطبع.

إلا ان الباحثة وجدت ان المرأة لا تزال تعامل بنوع من التمييز في الصحافة الورقية.

فلقد اختارت صحيفتي الاخبار والنهار، نظراً لاختلاف توجههما السياسي وتجربتهما، لتمثيل عينتها التي تكونت من المقالات المتعلقة بالأحداث اليومية، في الفترة بين كانون ثاني 2019 وشباط 2020، لما تمثله الاعلام والصحافة من “سلطة رمزية”، بحسب تعابير بورديو. وهي المعروفة بالسلطة الرابعة.

أخذت بعين الاعتبار المحتوى المنشور: كالمواضيع المغطاة وزاوية المعالجة المختارة، ومن الذي كتبها، كما الأشخاص المستجوبين او الذين تمت استشارتهم، والوتيرة في كل ذلك. كما الأفكار المعروضة والجوانب المعالجة والصور المأخوذة والخطاب المنقول. مع الاخذ بعين الاعتبار لما هو “غير مقال”، او المواضيع التي لم تتم تغطيتها، والأشخاص الذين تم تجاهلهم. أيضاً الحضور او الغياب عن الصفحة الأولى.

للصحافة أهمية كبيرة، لأن الصور المحمولة في الميديا عموماً، سرعان ما تصبح أحد مكونات الرأي العام، وبالتالي تقولب الآراء الشعبية وتعيد بثها وتعززها. فهي تؤثر وتتأثر بها.

هدف الباحثة معالجة موقع المرأة وتمثّلها في الخطاب الصحفي مقارنة بتمثيل الرجل. انها دراسة تأخذ الجندر او النوع الاجتماعي بعين الاعتبار. وذلك انطلاقا من السؤال الالي: الى أي حد تُسمِع الصحافة العامة أصوات النساء أو وجهات نظرهن؟ وكيف تصف أو تقدم دورهن في الفضاء العام؟

بينت الدراسة ان تمثيل المرأة في الصحيفتين، النهار والاخبار، منقوصة. وهي تمثل حوالي 11% من مجمل الأشخاص المذكورين في جميع الاقسام.

هذا مع الإشارة الى ان المرأة متواجدة بشكل كبير في جميع القطاعات المهنية، من الطب والصيدلة الى الهندسة والمحاماة والقضاء والصناعة والميديا كما سبق وأشرنا. فتواجدها يغطي مختلف القطاعات. مع الإشارة الى ان نسبة الطالبات الجامعيات تفوق نسبة الطلاب لتبلغ 55% من مجموع الطلاب.

هذا يعني ميل الصحافة لتكريس مقالات تخص الرجال أكثر من تلك التي تخص النساء. ومع ان الباحثة وجدت ان معظم المقالات المتعلقة بالمرأة تكتبها الصحافيات، إلا انها لم تجد عموماً فرقاً كبيراً بين معالجتهن للمواضيع عن الصحافيين الذكور. مما يعني ان المرأة نفسها تستدخل المعايير الاجتماعية السائدة.

كما تبين ان استشارة النساء كخبيرات أقل من استشارة الخبراء الذكور بشكل كبير، 15 % فقط من مجموع الاستشارات، في الصحيفتين. كما ان الاستشهاد بأقوالهن مباشرة اقل بكثير (12%).

أيضا هناك تمييز فيما يتعلق بكون النساء هن مواضيع الربورتاج، وتبلغ متوسط نسبتهن 18% في الصحيفتين.

الميل الغالب في الصحافة اللبنانية موضعة المرأة في الظل. فمعظم الأحيان لا تظهر المقالات المتعلقة بالمرأة في رأس الصفحة، 2% فقط تتعلق بالمرأة مقابل 68% تتعلق بالرجال، والباقي مختلط.

كما لوحظ ان المرأة غالباً مع تُربط بالمواضيع الثقافية والاجتماعية، وتتراوح للثقافية بين 22 و 31 % للصحيفتين وللاجتماعية بين 12 و 15% للصحيفتين. وهي تنخفض الى 5 و7% للشؤون السياسية.

أما بالنسبة للصور، المعروضة للمرأة، على ندرتها، فيغلب عليها اظهار الجانب الجذاب للنساء أكثر من كونها تتعلق بالمعلومات المنشورة.

إذن يمكن القول أن الصورة التي تقدمها الصحافة عن المرأة اللبنانية تظل جزئية ونمطية ولا تعكس الواقع.

فلا يتم ذكر موقع المرأة الاجتماعي سوى مرة واحدة من 6 مرات في النهار ومن 10 مرات في الاخبار. ايضا فيما يتعلق بذكر القطاع المهني الذي تنتمي اليه المرأة المعنية، فنسبتها للرجال حوالي 24% مقابل 4% للنساء في النهار، و10% للرجال في الاخبار مقابل 4% للنساء.

والغالب على صورة المرأة في الصحافة، تقديمها من الزاوية العائلية، كزوجة فلان أو قريبته ( اربعة اضعاف عن الرجال في النهار وخمسة اضعاف في الاخبار). وغالبا ما يتم إظهار صفاتها الفيزيائة (الجسدية) أكثر بعشرة الى 14 مرة عن الرجال؛ كما مواصفاتها العقلية. فالمرأة توصف انها طموحة، حنونة، ناعمة. أما الرجل فهو: موهوب، مهني، حازم، قوي وشجاع. وهذه تمثل الصور النمطية التقليدية.

يغلب ربط النساء بالثقافة وبالحياة التشاركية (جمعيات وما شابه)، بينما يربط الرجل بالشأن العام، فيشغل كامل مساحة السياسة والاقتصاد والرياضة في الغالب. هذا مع الإشارة الى أن مشاركة المرأة في هذه الميادين ازدادت كثيراً مع الوقت.

فنجد ان نسبة مشاركة المرأة في قوى الأمن ازدادات من 2% سنة 2009، الى 22% سنة 2019.

وازدادت مشاركتها في المراكز الإدارية المتوسطة والعليا من 30% عام 2004 الى 42,3% عام 2019.

أما في القطاع الخاص فتشغل المرأة 26% من مراكز القيادة في 2018- 2019. وهذا لا يتضمن النساء في مراكز القرار الأدنى.

أما في قطاعات تجارة المفرق والاستقبال والخدمات الأخرى فمن الواضح بروزها فيها. وشكلت النساء 47,7% عام 2017 في الجسم القضائي، ولقد ازدادت لاحقاً الى 60%.

وبالرغم من كل ذلك، تبلغ نسبة النساء المذكورات في الصحافة عن هذه القطاعات 6% فقط!!

وهكذا، مع ان التمييز ضد المرأة تناقص في الواقع اللبناني وان الحواجز خفت بين الجنسين، لا يزال التقسيم ذو الطابع الجندري موجوداً في المعتقدات وفي انعكاسها على الصحافة.

يعود هذا الى واقع ان بعض الميادين المهنية تعتبر تقليديا كذكورية، كالهندسة والعلوم والتمويل لأنهم معتبرون كأكثر كفاءة. بينما تعتبر ميادين كالصحة والتربية والإدارة والخدمات الاجتماعية، أي التي ترتبط بالممارسات المكتسبة في الدائرة الاسرية والمنزلية، كأكثر ملاءمة للمرأة.

بشكل عام يتسم التعامل مع النساء كمواضيع تتسم بنوع من الطفولية. فيتم نصحهن بعبارات كما لو كن قاصرات، انهضي، ثقي بنفسك، صدقي احلامك. وهكذا.

مع ان الاطروحة أظهرت تحسناً لتمثيل المرأة بعد ثورة 17 أكتوبر 2019. لكن الفترة الزمنية للدراسة، أشهر قليلة بعد الثورة، لم يكن كافياً لإظهار مدى التأثير الذي أحدثته هذه الثورة ومشاركتها الفعالة.

ما يفتح آفاق البحث المستقبلي لمتابعة هذا الموضوع من قبل الباحثة أو من قبل من تستثيره الدراسة وأسئلتها.