كثيرون عاصروا كمال جنبلاط جسداً . قلّة منهم ، ربما ، تسنّى لها أن تتذوق بعضاً من نبضات روحه . أزعم انني واحد من هذه القلّة . كانت المتعةُ تسطع خلال لحظات خاطفة في سياق حديثٍ عابر او تفكيرٍ جدّي لمواجهة تحدٍّ ماثل.
أذكر أنني نشرت في مطالع سبعينيات القرن الماضي ، غداة إنتخابه أميناً عاماً للجبهة العربية المساندة للثورة الفلسطينية ، مشروعَ دستورٍ للدولة العربية الإتحادية المرتقبة كبديلٍ من الوحدة الإندماجية التي كان ينادي بها وحدويو ذلك الزمن المضطرب الذي أعقب إنهيار وحدة مصر وسوريا . لفت المشروع نظرَ المعلم ــ كان هذا لقبه بين انصاره ــ فارتأى ان يؤلّف وفداً يطوف به على بعض القادة العرب لعرضه ومناقشته معهم.
كنتُ في عداد الوفد الذي إجتمع الى معمر القذافي ، وبعد ذلك الى أنور السادات . أذكرُ أنه صباح اليوم السابق لتاريخ عودتنا من ليبيا على متن طائرة القذافي الخاصة ، أسرّ الينا المعلم أنه عانى في نومه كابوساً رهيباً : طائرات حربية اسرائيلية تحوّم حول الطائرة التي تقلّنا ثم تجبرها على التوجّه الى مطار تل ابيب !
احد أعضاء الوفد حذّره مقترحاً إلغاء العودة جواً الى بيروت والتوجّه الى بلد صديق ، يوغسلافيا مثلاً ، ومن هناك نعود الى لبنان بسرّية تامة.
عضو آخر إستحسن هذه الفكرة محذراً المعلم من أن “اسرائيل” لا تنوي إختطافه بل ربما إغتياله !
ردّ المعلم بهدؤ :”أنا أعلم تاريخ إغتيالي ، وساعة وفاتي لم تأتِ بعد. يمكن أن تكون مخابرات العدو قد رصدت إتصالي الهاتفي بسائق سيارتي امس طالباً منه التوجّه الى مطار بيروت في الساعة الواحدة بعد ظهر الغد . لذلك أرى ان نغيّر سرّاً موعد العودة بضع ساعات فقط كي نوفّر على أنفسنا أي إزعاج”.
هكذا صار . وعندما عدنا الى بيروت قال لنا كثيرون ان طائرات اسرائيلية حوّمت قُبالة مطار العاصمة اكثر من ثلاث ساعات قبل ان تتوارى وتحطّ طائرتنا في تمام الساعة السابعة مساءً !
إستوقفني قول المعلم : “أنا اعلم تاريخ إغتيالي ، وساعة وفاتي لم تأتِ بعد” . تساءلتُ في قرارةِ نفسي : هل كان يعلم فعلاً تاريخ إغتياله ؟
بعد اربع سنوات من تلك المفارقة ، وفي اليوم التالي لإغتياله على الطريق العام بين بعقلين ودير دوريت ، جاءني رفيق ابو يونس – وكان آنذاك عضو المجلس المركزي للحركة الوطنية ومقرّباً من المعلم – متجهماً ليقول لي : “إسمع ما قاله لي كمال جنبلاط قبل يوم من إغتياله . فقد ذهبتُ اليه مستئذناً للسفر الى الاسكندرية للمشاركة في مؤتمرٍ لنصرة فلسطين يعقد فيها . بعد إنتهاء المقابلة وقفتُ لأودّعه في الصالون فأصرّ على غير عادته مع كل الناس على مرافقتي الى باب المنزل ، ثم نزلتُ على الدرج من الطابق الاول حيث منزله ، وقبل وصولي الى الطابق الارضي سمعتُ صوته يناديني : “استاذ رفيق ، استاذ رفيق رجاع لعندي شوي من فضلك”. عدتُ مهرولاً فوجدته ما زال واقفاً في باب منزله ، ثم قال لي وهو يعانقني: “يمكن ما عود شوفك”…
في تلك اللحظة تذكرتُ ما قاله لنا عندما حذّره احد اعضاء الوفد من العودة جواً من ليبيا الى بيروت لأن “اسرائيل” لا تريد إختطافك بل إغتيالك” ، وردّه عليه قائلاً : “أنا أعلم تاريخ إغتيالي ، وساعة وفاتي لم تأتِ بعد”.
تساءلتُ مرةً اخرى في قرارة نفسي : طالما كان يعلم تاريخ اغتياله ، لماذا أصرّ ذلك اليوم المشؤوم على مغادرة المختارة الى بيروت ؟ ام هل تراه كان يعلم أيضاً ان لا مهرب للإنسان من قدره ؟ …