عندما تنهار الدولة ، يضيع صوت الحكماء ، وسط ضجيج الخطباء والمزايدات على الانتماء ، ويلتبس مفهوم القومية والوطنية والعقيدة واصول الدين ، ويتقاذف اهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة . وتحاك الدسائس والمؤامرات ، وتكثر النصائح من القاصي والداني ، وتطرح المبادرات من القريب والبعيد.

(المرجع: مقدمة ابن خلدون ص. 536 – 542)

الفيلسوف العلاّمة ابن خلدون (1332 – 1406 م)

للاجابة عن هذا التساؤل، ارتأينا ان نترك التقدير والقرار ، للقارئ الكريم ، وان نستعين بما قرره العلماء والحكماء. ففي مقدمته الجامعة لمؤلفه الموسوعي “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر”، توصل المؤرخ ابن خلدون الى الاستنتاج بأن للدول اعمار كالافراد والبشر تنشأ الدولة ، تنمو وتقوى و تسود فتتوسع ، ثم تضعف وتنهار. وتحدث بالتفضيل عن معالم انهيار الدول. فهو القائل ، اضافة لما نقلناه عنه اعلاه :

“عندما تنهار الدولة يكثر المتسولون والمنجمون والكتبة والقوالون وقارعوا الطبول ، وادعياء المعرفة والمتسيسون والانتهازيون ، وتنكشف الاقنعة. ويضيع حسن التقدير ، ويسوء التدبير، ويختلط الصدق بالكذب ، والجهاد بالقتل .”

“عندما تنهار الدولة يعود الخوف والرعب واليأس ، و يلوذ الناس بالطوائف ، وتنتشر الاشاعات ، ويتحول الصديق الى عدو ، والعدو الى صديق . ويعلو صوت الباطل ، ويختفي صوت الحق ، وتظهر على السطح وجوه مريبة ، وتختفي وجوه مؤنسة ، وتشح الاحلام ، ويموت الامل ، ويتدبر المقتدر امر رحيله ، والغني امر ثروته ، ويصبح الجميع في حالة تأهب وانتظار ، ويتحولون الى مشروعات مهاجرين ، ويتحول الوطن الى محطة سفر”.

اليس في هذا الوصف الكثير الكثير مما يعاني منه لبنان واللبنانيون اليوم . الم ندخل في نفق طويل مظلم ، لا تلوح من آخره اية بارقة امل ؟ المعاناة تزداد ، والاوضاع تتفاقم ، واهل السلطة يتصارعون على الحصص، ويفشلون في ايجاد الحلول ، ويورطون البلد في مشاكل وازمات لا مصلحة للبنان من التورط بها ، تهدد كيانه ووجوده.

ما نطرحه اليوم المقصد منه تذكير من يريد ان يتذكر ويعتبر ، وبمقدوره العودة الى ضميره ، والعمل على انقاذ ما يمكن انقاذه للتخفيف من معاناة اللبنانيين ، وحماية لبنان الدولة من المخاطر التي تحيق به وتهدد الكيان والوجود.

ونضيف على ما تقدم، مع المعلم كمال جنبلاط ، التحذير الذي اطلقه في وجه اي مسؤول لبناني، ووضع الدولة امام مسؤولياتها: ” يبدو انه ما من امل بأن يتخذ احد في هذه الدولة اية مبادرة لاجل انقاذ الوضع الاقتصادي والمالي والمعيشي المتردي ، وما من بارقة امل تلوح في الافق تمكن المسؤولين من ان يتغلبوا على الضعف والاحجام المسيطرين على اجهزة السلطة الثلاثة . ويظهر من مجريات الامور والاحداث ان الازمات القائمة في جميع المجالات والنشاطات انما هي ازمة نفسية وسياسية تعني ان الحكم في لبنان لا يليق بالاضطلاع بالمسؤولية الانقاذية الاصلاحية والتنميوية والتنظيمية الملقاة على عاتقه.

من المسؤول عما يجري في لبنان اليوم ؟ من هو المسؤول عن اعمال الارهاب المعنوي والتزوير المادي واللعب بعواطف الناس؟ الى اين نحن ذاهبون؟ أإلى الفتنة الطائفية؟ قد يكون شيئاً من ذلك. ألأجل تحقيق الاحلاف وسواها من المشاريع المكبلة لحرية اللبنانيين ؟ ربما لأجل لا شيء؟ انما الواقع هو ان البلاد على شفير خضة كبرى ، وقد تكون الساعة ازفّت لشيء ربما خطير جداً.

على المسؤولين ان يستوعبوا فيرتدعوا قبل فوات الاوان!!!”

(المرجع: كتابه “اسس بناء الدولة اللبنانية وتنظيم شؤونها” – بيان حمل عنوان “وضع الدولة امام مسؤولياتها” ص. 93)