الحزب التقدمي الاشتراكي ، اذ يحتفل بعيده وبيوم شهدائه في الاول من شهر ايار، يوم انطلقت فيه اول بادرة للتحرر الداخلي في لبنان، لا يحتفل لهذا العيد في سبيل تكريم الشهداء وتمجيد العقيدة والاشادة بأعمال الحزب….
الاستشهاد شهادة ، والعمل الحزبي شهادة ، شهادة على صحة العقيدة شهادة على تجلي الايمان في النفس وعلى تحققه في مجالات العمل والحياة . الشهيد شهد بموته على صوابية معتقده، والعامل الحزبي شهد بعمله وبمبادئ حزبه… ولولا ذلك لما عمل.
والشهادة كرامتها قائمة بذاتها، وكل من يعمل ويضحي بهذه الروحية المتجردة عن الاجر وعن الرغبة في الغاية ، يتخذ عمله وتضحيته صفة البطولة ، فيضحي بتمرسه الدائم بهذه الروحية بطلاً قديساً، اي رجلاً انساناً، رجلا كاملاً.
ان هؤلاء كرامتهم ومجدهم قائم في ذاتهم، وليسوا بحاجة الى ان نحتفل بتكريمهم وتمجيدهم ، انهم ليسوا بحاجة الى ان يتحدث عنهم الناس ، وان يسجل التاريخ اسماءهم واعمالهم.
ان القديس البطل يعمل في سبيل الحقيقة ، في سبيل وجودية الحقيقة ، في سبيل تجلي الحقيقة ، ولا يطلب اجراً لا من دنيا ولا من دين . اجرهم انهم يعملون بدون اجر. اجرهم ان يبصروا وجه الحق على جلاله ، ان كان من معنى لكلمة الاجلال اذ ذاك. ولا بطولة بدون قداسة، ولا قداسة بدون بطولة .
مشكلة العالم الحديث المتعامي عن الحقيقة انه فصل وميّز بين البطولة وبين القداسة ، بين النظام وبين الانسان ، بين الدين والدولة في افضل واحقّ ما يجب ان يجتمع عليه الدين والدولة ، فصل بين النشاط البشري والمناقبية ، بين العمل وبين التحقق الانساني ، فكانت البطولة الزمنية – كل بطولة، بطولة الرجولة الفردية وبطولة الوطن والقومية ، بطولة الحركات الثورية الاجتماعية والعمالية ذاتها – تتعثر وتضيع في مستوى الانانية الفردية ، مهما توسعت هذه الانانية او ضاقت ، مهما انحطت او صفت ، والى اي مرتكز شدّت .
نحن، دون ان نتدخل بشؤون الاديان وغيرها من المعتقدات الشخصية ، نحاول اعادة هذه الصلة وهذه الرابطة بين القداسة وبين البطولة ، بين الفضيلة وبين البطولة ، فلا تعود البطولة مظهراً سطحياً عارضاَ لم تبلغ تحققاته جذور النفس الاصيلة ، ولا تعود القداسة والفضيلة الزائفة مهرباً من مواجهة الواقع على قسوته وعلى سذاجته، او انزواء متخلياً متخاذلاً على رأيهم ، كمن يخاف ان يتطلع اليه احد.
التواضع المتخاذل ليس هو بتواضع ، بل هو فريسة التواضع، هو مسخ التواضع، هو ضعف وخوف يتزيّنا بزي التواضع. التواضع هو صفة الاقوياء ولا الضعفاء ، هو هالة الابطال القديسين.
آن لنا في لبنان ان نتخلص من ايحاء الضعف ومن مثل الضعفاء. نحن لسنا خطاة ولا مساكين ولا ضعفاء، فمن يعتقد بنفسه الضعف يصبح ضعيفاً ، ومن يعتقد بنفسه القوة يصبح قوياً. ويجب ان نتخلص اخيراً من الذين يقولون لنا الخلاص معلّق على مشيئة الاميركيين ، وفي يد الفرنسين او البريطانيين ، او في يد الروس واجتياحهم لهذه الديار. او في يد هذه الدولة او تلك ، فيمضون ايامهم ولياليهم يرتقبون مراكب الاحتلال في الافق الازرق الابيض الرحيب وهؤلاء بالحقيقة هم مستعمرون منذ الساعة ، عبيد منذ الساعة ، استعمارهم جاثم في داخلهم قائم في ذاتهم. فيدركون ما يجب عليهم ان يدركوا ولكن متأخرين.
وشهادتنا على وجهتين: الوجهة الاولى من نضالنا هو السعي الايجابي بمثلنا وبدعايتنا بأن نجعل وجدان الشعب يتفتح على مبادئنا ويتعرف على نهجنا، فقوة الجماهير وحيويتها وسر انطلاقها كائن قائم في مدى وعمق وعيها لحقيقتها ولمصالحها العامة ولمصالحها في الخبز والعمل والعلم والحرية ةوالعدالة والديموقراطية الشعبية الفاضلة . والوجهة الثانية هي الثورة والنهضة الشعبية التعاونية والتضامنية. هذه الوجهة الايجابية التعاونيةمن نهضتنا هي الاساس الذي يجب ان يعتمده لبنان .
فلترتفع ايدينا المتماسكة المتعاونة ، ولنهتف ، نقسم ان نبرهن بمثلنا بحياتنا، بأعمالنا الايجابية التعاونية الانسانية ، بأننا جديرون بأن نقوم بواجب الشهادة امام اخوتنا اللبنانيين كافة ، امام العالم العربي، امام شعوب آسيا الناهضة الجبارة … امام العالم .