اراد المؤسسون من الحزب ان يناضل لجعل العمل البشري اداة تثقيف تربوي واجتماعي وسياسي ، وذلك عن طريق تنشئة العضو في الحزب بصفته انساناً حراً ورائد عمل معين في المجتمع الحزبي، بهدف جعله قدوة صالحة تفرض احترام مبادئ الحزب وتثير شغف الناس في الانتساب اليه. وشدد على ضرورة الجمع بين رجال الفكر والعمل في هيئات مشتركة متعاونة ، بغية اظهار دور كل منهم في بنيان المجتمع وتطور الانسان والحضارة ، وتوفير الافادة المتبادلة من هذا الدمج في الاخوة والعقيدة والعمل ، وفقاً لما يرمز اليه الحزب في شعاره المتضمن اتحاد القلم والمعول ، اشارة الى التكاثف بين العلم والعمل ، في العقل واليد المجسدة لتصميمه وفعله.

وفي هذا السياق ، ارى انه من المفيد القاء نظرة خاطفة على مسيرة الحزب منذ تأسيسه. ويمكننا ان نقسم هذا النضال والمسار الى مراحل ثلاث:

اولا ً: المرحلة الايمائية العاطفية التي البّت الجماهير حول فكرة الحزب بسرعة كبيرة ، وقادت نضال المواطنين الواعين والاحرار في محاربة الفساد والافساد في العهد الاستقلالي الاول ، وقيادة النضال الشعبي لاسقاطه ، عن طريق انقلاب شعبي لا عنفي ابيض رائع.

ثانياً: المرحلة الثانية التي اتمست بانقشاع هذا الايمان ، وهذا الدفق الشعبي ، وهذه القوة الزاخرة عن بعض الحقائق، واهمها انه لم يكن قد توفر للحزب ، بعد مرور ثلاث او اربع سنوات على تأسيسه ، التنظيم الكافي والتعبئة العقيدية العقائدية الضرورية ، والنخبة النضالية الواعية تماماً، لكي يستطيع الحزب ان ينطلق الى مهاجمة المؤسسات واستلام الاحكام والسيطرة على الانتخابات النيابية على الاقل.

هذه المرحلة من الامتحان والتجربة والمناقشة الذاتية ، مكّنت الحزب ان يسترشد اكثر من قبل، معالم النهج والطريق واساليب العمل في مجال الاستمرار ، لا من الفورات والازمات الشعبية الطارئة فقط. وقد ادت الظروف الخارجية والداخلية ، وانحراف العهد الثاني في مسالك الفساد والافساد ، وفي الاستقطاب الاستعماري والانحياز للاهداف ، الى ثورة وطنية قادها الحزب مع الفئات والشخصيات الوطنية، لتصحيح الاوضاع. هذه التجربة النضالية زادتنا معرفة لاساليب النضال الوطني ، وفتحت امامنا مواجهات جديدة.

ثالثاً: المرحلة الثالثة اثبتت انها ناتجة في جوهرها عن اختبار المرحلتين السابقتين، وقد اكدت بعض الحقائق التي مازلنا نكرر بها على الاخوان والرفاق ، منذ تأسيس الحزب ، واهمها :

– ضرورة تعميق الفكرة التقدمية الاشتراكية على شمولها وصميميتها لان العمل ، كل عمل ، لا يبدأ الا في مستوى العقل، في العقل

– ضرورة تأمين جهاز حزبي ثابت وقادر ممن تفتح وعيهم على المبادئ، وحدهم يستطيعون ان يتابعوا عملية التنظيم وقيادة النضال واستشراف المواقف الاجتماعية والسياسية.

– تحريك الجماهير وتوجيهها الى بعض الاهداف المرحلية لاجل تعويدها على ممارسة النضال وتمكينها من الحصول على مستوى افضل للعيش والتثقف ودفع وسائل الانتاج في طريق التنمية.”

(المرجع: مقال لكمال جنبلاط في جريدة الانباء بتاريخ 20/7/1967 ورد في الصفحة 59 من كتابه “محطات انسانية وفكرية وسياسية في تاريخ النضال”)