في الصفحة 37 من كتابه ” حقيقة الوجود والوعي” اعتبر كمال جنبلاط ان افضل الشعر هو الذي يلقي نوراً على كينونة الحياة، اي على الحقيقة وعلى الجمال. والشعر هو شعر الداخل الباطن، لا الخارج، ذلك ان الشاعر لا يستطيع ان يتوغل في القمة الا اذا تجرد وانلسخ عن نفسه كما تنسلخ الحية عن قشرتها. وما ضرّ هذا الشعر ان يكتب بقوالب الايقاع والنثر، فهو محاولة انعكاس الجمال في مرآة الجمال.
” الشعراء على اصناف او مراتب ثلاث: منهم من يصف الاغراض – اي الصور الحسية والعواطف والافكار – التي يقع عليها النور ، وهذا في الحقيقة ليس بشعر… ومنهم من يصف الاغراض وانعكاس النور عليها، دون ان يتلفت – في خدعة جهله وانجذاب عقله – الى مصدر الاشياء وينبوع النور ، وهذا شعر المتفوقين… ومنهم من غاصت عيناه في لجّة النور فغاب في النور، واضحت موسيقى النور سعادة ذاته، فان صدف له وخرج من ذاك النطاق السحري المسحور قال ما قال، وهو اعظم الشعراء، فالشعر والحق وروعة الشعر الجميل نغم من انغام وجود هؤلاء الشعراء العظماء الممتلئ والفائض. (ورد ايضاً في الصفحة 251 من كتابه “ثورة في عالم الانسان”).
وفي مقابلة تلفزيونية اجراها معه الاعلامي عادل مالك في اواخر العام 1976، ورداً على سؤال “ماهي حكايتك مع الشعر كمال بك؟ ما سر اهتمامك بالشعر وكتابة الشعر” اجاب كمال جنبلاط: “انا مش متباهي اني شاعر، ولكن بكل اسف يجب للانسان بعض الوتيرات الداخلية اذا بتريد، لانه كل شيء قائم على الانسجام الداخلي، هو نفسه يعبر عن حاله بواسطة ايقاع معين او لحن معين مش نحن منعمل الشعر، بيعمله غيرنا. الأنا الداخلية التي كلها انسجام يمكن عندما نعرف حقيقتنا . فلهذا السبب جاءت الاشياء هيك، جاءت في الواقع عبر التأملات او غيرها وما كان في قصد في اغراضها.”
وردا على السؤال : “كمال بك لاشك ان الشعر يفرض نفسه كتعبير تلقائي، هل توافق بشكل معين بالشعر يعني الشعر المقفّى ام الشعر الفالت” اجاب: “الشعر تعبير عن الموسيقى الداخلية التي تكون في الانسان عندما يحصل الاتزان الكامل بين العقل والقلب. الشعر ليس مصدره القلب ابدا لان القلب اعمى. معظم الاحيان اذا تركناه على هويته وعلى نزعاته ليس مصدره العقل طبعا لان العقل يابس، ناشف، الشعر يأتي من التوازن بين ضدين ولكن في النهاية الضدان واحد، مصدرهم واحد، مصدرهم الوعي فينا كما قال السيد المسيح: “كل شيء صنع من النور.” فالمهم ان تتأكد هذه الحقيقة، طبعاً يكون مقامنا في هذا النور فيما يتعدى ازواج الاضداد، الشعر يجيء بداهة، لهذا السبب تحررت من جميع قيود الزمان والمكان.”
لقد أطلّ كمال جنبلاط على الشعر من نافذة الصوفية التي آمن بها وعاشها وهي التي كانت بالنسبة اليه سلوكاً روحانياً لجأ اليه ليتخفف من اعباء جسده مستلهماً ان الآداب الشرعية الظاهرة حكمها الباطني ليصل الى كمال روحاني ينشده. وقوام هذا السلوك التخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل لتزكو النفس وتسمو الروح. ولذلك تتجلى الروحانية الشفافة في عمل كل صوفي وقوله، وتتحول الى حركة ابداعية تتجسد نثراً ام شعراً. وهذا ما تجلى في نتاج كمال جنبلاط الشعري.
وهذه الآن نماذج من نتاج الشاعر كمال جنبلاط:
أ- في موضوع المناجاة:
يتخذ الشعر هنا طابع النداء والاعلان عن الحب الالهي ، وفي هذا قال كمال جنبلاط:
“احبك مولاي، حباً يحطّم
قيد الاله، وقيد العبيد (فرح – ص. 15)
يا حبيبي فداك قلبي وعيني (وجه الحبيب – ص. 41)
يا حبيبي انا نور من نور نسجته يد الكواكب
فيا حبيبي، أحصد سنابل النور”
(فرح – ص. 89)
وقال:
“مولاي، أدر مرآة وجودي نحوك
لكي لا يعود يبصرك احد سواك
هذه السواقي مولاي
مولاي، دنياك هذه
هي من حلم نفسي
احرقني واياها
في معراج براق قدسك
واطفئ الشموع
فلا يرى احد غيرك
في بهائك
حنانيك مولاي”
(فرح – ص. 17 – 35)
كما اتخذت المناجاة عند كمال جنبلاط طابع الاستغفار وطلب الرحمة حيث قال:
“ربّ ارحم العابدين
واجعلنا نسير
في دروب الشعاع (فرح – ص. 52)
رب اغفر لنا من جحيم نارك
وجنّبنا الانزلاق بحبنا
في فراغ الحب
حبنا لسواك”
(فرح – ص. 49)
1- في موضوع مناجاة النفس عند كمال جنبلاط نقرأ:
“آه من النور
كم تغفو عليه الف حكاية للنجوم (فرح – ص. 27)
آه لو كانوا يعرفون
في ما يتعدى الاديان
آه من رقدة على غبار قدميه
تتسع ذراتها نوراً في قلوب الخاشعين” (فرح – ص. 34)
ونجد في مناجاة كمال جنلاط دعوة للحوار مع الاخر حيث نقرأ:
“فامش معي في صلاة الهنود
لندور حول مقام الحكيم
طف معي يا اخي
كما تدور الافلاك
حول البيت العتيق، مكة الحق (فرح – ص. 40)
واسجد واياي
في صلاة المتصوفة المسلمين
وفي استشراق سورة النور
ولنرفع مع النصارى
قربان الوجود” (فرح – ص. 41)
2- في موضوع الحوار مع الطبيعة:
نقرأ لكمال جنبلاط قوله:
“ايتها الامواج الراقصة توقفي!
واصغي الى صوت حبيبي” (وجه الحبيب – ص. 29)
ونلاحظ ان الشعر هنا يخاطب الامواج طالباً اليها الاصغاء الى صوت الالوهة الموجود في كل مكان. فحين يكون هناك صمت وسكون يمكن الاستماع الى صوت الله وكلامه.
3- في الرموز الدينية:
لا تكتفي الرموز الدينية بالكشف عن تركيب الحقيقة او الوجود، ولكنها تجعل الوجود الانساني محملا بالمعنى. بالقدر نفسه، وهذا هو السبب في ان الرموز عندما تطمع الى الحقيقة الكلية، تركب على نحو موحّد الهامات الوجودية لمن يحمل شفراتها .
“العمامة البيضاء/ تقدمة الخبز رمز الوحدة الجوهرية / بيوت الله / اي في قلوب المؤمنين/ أفق شمس الحق.”
ونقرأ له:
“ولنعرج في صلاة اخواني
ابناء التوحيد، اهل الحق
وهم فرع من اصل قيّوم” (فرح – ص. 44)
4- الفناء:
الفناء معناه “زوال وجود الشيء”، وعند المتصوفة عدم شعور الشخص بنفسه، وتبديل الصفات البشرية بالصفات الالهية. فكيف تجلّى هذا الفناء عند كمال جنبلاط؟
نستمع اليه يعلن:
“ليأت النسيان
فأنا لم يعد لدي شكل
جسدي هذا جسدك هذا لاشيء
انفض عني وعنك
لم يبق منه شيء
سوى طهر طاقة” (السلام اناندا – ص. 78)
5- في اللاهوت:
بالنسبة للمتصوفة ، الانسان اسمى الاشياء الموجودة على سطح الارض، يصل بذاته الانسانية الى التوحد بذات الله من خلال جوهريته الروحانية التي هي قبس الهي من فيض الله. فكيف استشعر كمال جنبلاط هذه القيمة اللاهوتية في الالهام الشعري؟ لنستمع اليه:
حياة الانسان
هي كحياة البذرة
المطمورة في الأديم
هي الإله نيبر، اله القمح
الذي يتحول
الى نبتة خضراء
وثم الى سنبلة
تحمل السماء والشمس والنجوم
في حبوبها (فرح – ص. 121)
….
ليس في البيت الا الله
فسبحان من غسلت عنه لفائف التراب
فأضحى في ليلة القدر، يشعّ
اقحواناً وزنبقاً وجوهر (فرح – ص. 94)
6- في الزهد:
الزهد بالنسبة للصوفي هو ترك كل ما يشغله عن الله.
فما هي حقيقة الزهد عند كمال جنبلاط الساعي الى مرضاة الله؟ انه يقول:
دع الدنيا وهي شيء تراه عيني – تتحطم
دع الهباء يطفو
ولا يبقى
سوى النقطة النقطة النقطة من غير مكان حتى ولا
هباء (السلام اناندا – ص. 93)
….
الا اغرقوا بالخمر قلوبكم العطشى الى النسيان
اما انا فلن اغرق قلبي النشوان اليقظان
وداعاً ايتها الانا الصغيرة في لعبة الهاوية ( السلام اناندا – ص. 56)
هذا غيض من فيض، استرسلت فيه الدكتورة ناتالي الخوري غريب لتكشف لنا مختلف النواحي الصوفية في شعر كمال جنبلاط. وقد ختمت تقييمها لشعره بهذه العبارات:
“ان فضاء جنبلاط الزماني والمكاني كان خارج الزمن الفعلي والفضاء المكاني، اذ بقي في دنيا الشموس والنور والبهاء على ديمومة تسلق شعاع.” (ص. 455)