وقّع لبنان في السابع من نيسان من السنة الحالية اتفاق مبدئي على “مستوى الموظفين” مع صندوق النقد الدولي حول برنامج إصلاحي تلتزم بتطبيقه السلطات اللبنانية مقابل قرض بثلاث مليارات دولار من الصندوق للدولة اللبنانية. وتضمّن الاتفاق تسعة إجراءات مسبقة تعهّدت السلطات اللبنانية تطبيقها كشرط من المجلس التنفيذي لصندوق النقد للتوقيع النهائي على خطة التعافي الاقتصادي للحكومة اللبنانية وبالتالي على قرض الثلاث مليارات دولار.
والإجراءات، أو الشروط المسبقة التسعة، تتكوّن من قائمة تدابير تقنية هي إقرار الحكومة لاستراتيجية إعادة هيكلة القطاع المصرفي، كما إقرار مجلس النواب لموازنة 2022 ولقانون تعديل قانون السرية المصرفية ولمشروع قانون تنظيم التحاويل المالية إلى الخارج (capital controls) ولمشروع قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي. أيضًا، تتضمّن هذه الشروط إعادة هيكلة الدين العام، توحيد أسعار الصرف المتعدّدة في الاقتصاد اللبناني، التدقيق في الموجودات الخارجية لمصرف لبنان، وتقييم أكبر 14 مصرفًا من قبل شركة دولية.
واللافت في هذه الشروط المسبقة أنها بكاملها إجراءات تقنية بحتة، كأن أسباب الأزمة في لبنان هي اقتصادية أو مالية أو نقدية. والحقيقة ان الواقع مختلف تمامًا، إذ أن هذه المقاربة تُهمل، وربّما بشكل متعمّد، الجذور الحقيقية للأزمة التي أدت إلى الوضع الاقتصادي والمالي والنقدي والمعيشي الحالي. ويمكن تلخيص جذور الأزمة من خلال قراءة مقتضبة لمؤشرات الحوكمة والإدارة الرشيدة التي يصدرها البنك الدولي سنويًّا.
أظهرت مجموعة مؤشرات البنك الدولي السنويّة عن الحوكمة والإدارة الرشيدة أنّ لبنان تقدّم في واحدة من أصل ستة مؤشرات للحوكمة في العام 2021 وتراجع في خمسة مؤشرات حسب النقاط التي حصل عليها على كل مؤشر. وتعكس هذه النتائج تراجع في مستوى الحوكمة في لبنان في العام 2021 مقارنة بالعام السابق. كما تقدم تصنيف لبنان في مؤشر، وتراجع في خمسة مؤشرات مقارنة بمسح العام الماضي. وتغطّي المؤشرات 214 بلدًا وتصنّف على سلّم مقياسي يتراوح بين -2.5 و+2.5 نقطة، من الأسوأ إلى الأفضل من حيث نتائج الحوكمة.
وصُنّف لبنان في المرتبة 187 عالميًا بين 209 دول تقيّم في المسح، والمرتبة الـ15 بين 20 دولة عربية من حيث فعالية الحكومة (Government Effectiveness). ويبيّن هذا المؤشّر جودة الخدمة العامة والمدنية ومدى استقلالها عن الضغط السياسي، وكذلك جودة السياسات ومدى تطبيقها، ومصداقية التزام الحكومة بهذه السياسات. وقد تراجع تصنيف لبنان بمرتبتين في التصنيف العالمي، في حين لم يتغيّر تصنيفه الإقليمي مقارنة بالعام 2020. عالميًا، تقدّم لبنان في هذا المؤشّر على العراق، وميانمار وشاد، وتأخر عن غينيا الاستوائية، ومالي وزمبابوي بين الدول ذات الناتج المحلي الإجمالي البالغ 10 مليار دولار أو أكثر. إقليميًا، تقدّم لبنان على العراق، والسودان، وليبيا، وسوريا واليمن. وتشير النتائج إلى أن 89.5% من البلدان حول العالم كانت أفضل من لبنان في هذه الفئة من الحوكمة.
بالإضافة إلى ذلك، صُنّف لبنان في المركز 187 عالميًا بين 209 دول تقيّم في المسح والمركز الـ15 إقليميًا على مؤشّر ضبط الفساد (Control of Corruption) والذي يقيس تصورات استخدام السلطة العامة لتحقيق مكاسب خاصة في بلد ما، بما في ذلك أشكال الفساد الصغيرة والكبيرة. وقد تراجع تصنيف لبنان بثلاثة مراتب في التصنيف العالمي، في حين لم يتغيّر تصنيفه الإقليمي مقارنة بالعام السابق. عالميًا، جاء ضبط الفساد في لبنان أفضل من ذلك في نيكاراغوا، والعراق وزيمبابوي، في حين كان اسوء من ذلك في أفغانستان، وغواتيمالا وكمبوديا. إقليميًا، تقدم لبنان على العراق، والسودان، وليبيا، واليمن وسوريا. وسجّلت نسبة 89.5% من البلدان حول العالم مجموع نقاط اعلى من لبنان في هذه الفئة من الحوكمة.
أضاف أنّ لبنان المرتبة 178 عالميًا بين 209 دول تقيّم في المسح والمرتبة اﻠ15 إقليميًا في فئة حكم القانون (Rule of Law)، وهو مؤشّر يقيس إلى أي مدى يثق المواطنون بالقوانين ويحترمونها، ويأخذ في عين الاعتبار نسبة الجرائم والعنف. وتراجع مركز لبنان العالمي والإقليمي بتسعة مراتب ومركز واحد، على التوالي، في العام 2021 من العام 2020. عالميًا، تقدم لبنان في هذا المؤشّر على غواتيمالا، وكاميرون وقيرغيزستان، وتأخر عن أنغولا، وموزنبيق وهندوراس؛ في حين تقدّم فقط على السودان، والعراق، وليبيا، واليمن، وسوريا إقليميًا. وسجّلت نسبة 85.2% من البلدان حول العالم مجموع نقاط أفضل من لبنان في هذه الفئة من الحوكمة.
واحتلّ لبنان جاء في المرتبة 170 عالميًا بين 209 دول تقيّم في المسح والمرتبة اﻠ13 عربيًا من حيث نوعية الأنظمة والقوانين (Regulatory Quality)، وهو يقيس مدى تماشي السياسات والقوانين مع اقتصاد السوق، وتعزّز تنمية القطاع الخاص. وتراجع مركز لبنان العالمي والإقليمي ﺒ13 مرتبة ومركز واحد، على التوالي، في العام 2021 من العام 2020. عالميًا، تقدم لبنان في هذا المؤشّر على لاوس، وروسيا البيضاء والكاميرون، وتأخر عن نيكاراغوا، وبنغلادش وغامبيا. إقليميًا، كانت نوعية الأنظمة والقوانين في لبنان أفضل من تلك في موريتانيا، والعراق والجزائر، وأسوأ من تلك في تونس، ومصر وجيبوتي. وسجّلت نسبة 81.3% من البلدان حول العالم مجموع نقاط أفضل من لبنان في هذه الفئة من الحوكمة.
وقد صنّف لبنان في المرتبة 193 عالمياً والمرتبة 14 عربياً من حيث الاستقرار السياسي(Political Stability). يوضح هذا المؤشّر إمكانية تدهور الاستقرار وحصول عنف داخلي وإرهاب. وقد تقدّم تصنيف لبنان بثالثة مراتب عالمياً فيما لم يتغيّر تصنيفه الإقليمي مقارنةً بالسنة الماضية. عالمياً، تقدم لبنان في هذا المؤشّر على فنزويلا، وجمهورية كونغو الديموقراطية، والنيجر، وتأخر عن الموزمبيق، وشاد، والكاميرون؛ في حين تقدم فقط على فلسطين، والسودان، وليبيا، والعراق، واليمن، وسوريا عربياً. وقد سجلت نسبة 92.3% من البلدان في العالم مجموع نقاط اعلى من لبنان في هذه الفئة من الحوكمة.
بالإضافة إلى ذلك، احتلّ لبنان المركز 144 عالمياً والمركز الثالث إقليميا على مؤشّر التعبير والمساءلة (Voice & Accountability). ويبيّن هذا المؤشّر قدرة المواطنين في بلد ما على المشاركة في اختيار حكومتهم وحريّة التعبير وحرية التجمّع وحرية الإعلام. وقد تراجع تصنيف لبنان أربعة مراتب عالمياً ومركزًا واحدًا عربيًا مقارنةً بالسنة الماضية. عالمياً، تقدم لبنان في هذا المؤشّر على نيجيريا، والكويت، وتنزانيا وتأخر عن هندوراس، والمغرب، والموزمبيق، فيما تأخر فقط عن تونس والمغرب في ترتيب الدول العربية. وايضاً، سجّلت نسبة 69% من البلدان في العالم مجموع نقاط أفضل من لبنان في هذه الفئة من الحوكمة.
والواضح أن موقع لبنان على هذه المؤشرات يسلّط الضوء على الاختلالات الحقيقية التي أدّت إلى تراجع الثقة ليس بالاقتصاد فحسب، بل بالإدارة السياسية للبلاد، أو بشكل أوضح سوء الإدارة السياسية للبلاد على مر السنين. فهذه المؤشرات تعكس بشكل واضح سوء استخدام السلطة السياسية وعدم احترام المهل الدستورية والقانونية، وعدم تطبيق أو التطبيق الانتقائي والجزئي لقوانين جيدة موجودة، وعدم فصل السلطات، وعدم احترام أو تطبيق آليات المسائلة و المحاسبة السياسية، وشهوة السلطة المُكلفة التي أدّت إلى شلّ عمل المؤسسات لمعظم الفترة الممتدة بين آذار 2013 وأيلول 2021 تاريخ تشكيل الحكومة الحالية، والتعطيل الانتقائي لعمل هذه المؤسسات منذ ذلك الوقت، وعدم تطوير قوانين بحاجة إلى تحديث، وعدم مناقشة و تأجيل التصويت على مشاريع قوانين تقبع في أدراج مجلس النواب منذ سنوات، والتدخل السياسي دون أي ضوابط في المؤسسات العامة ذات طابع تجاري، وتوظيف حوالي 32 ألف شخص لمنافع سياسية في القطاع العام، وعدم مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، وغياب الإرادة السياسية لمحاربة التهريب عبر الحدود بالاتجاهين، وعدم تفعيل الجباية، وعدم معالجة معضلة الاقتصاد الموازي الذي يشكل 30 بالمئة من الحركة الاقتصادية حسب الحسابات الوطنية الرسمية.
وأتى لبنان على مختلف هذه المؤشرات في مرتبة بلدان لا تشبه هوية لبنان الاقتصادية، ولا حيوية القطاع الخاص اللبناني والمبادرة الفردية فيه، ولا مستوى ونوعية الحياة فيه قبل الازمة، ولا انفتاح لبنان على العالم عموما” وعلى محيطه العربي خصوصا”، على سبيل المثال لا الحصر.
وكلّ ذلك رتّب كلفة على الاقتصاد اللبناني من خلال تراجع الثقة، وانخفاض تصنيف لبنان الائتماني، والفرص الضائعة على الاقتصاد التي تقاس بعشرين مليار دولار على الأقل بين اﻟ2011 واﻟ2019، وتراجع تدفّق رؤوس الأموال إلى لبنان، وارتفاع نسبة الفوائد، واتساع العجز في الموازنة العامة، و التباطء ثم الانكماش الاقتصادي، وتأجيل الإصلاحات وتأهيل البنى التحتية، وهدر وعدم الاستفادة من الفرص المتاحة، وتدهور المناخ الاستثماري وبيئة الأعمال، وتراجع تنافسية الاقتصاد اللبناني عربيًّا وإقليميًّا، وعدم وجود ارادة فعلية لحماية لبنان من الاضطرابات الأمنية والسياسية في المنطقة.
ولحين إعطاء الأولوية لمعالجة هذه الاختلالات في الحوكمة والإدارة الرشيدة، لن تستطيع كل الإجراءات التقنية من إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إلى توحيد أسعار صرف الدولار، إلى إقرار الموازنات، إلى إعادة هيكلة الدين العام، لن تستطيع استعادة ثقة المواطن اللبناني، والقطاع الخاص، والاغتراب اللبناني، وأصدقاء لبنان حول العالم، والمؤسسات المالية الدولية، ووكالات التصنيف، والمجتمع الدولي. والمؤسف انه يوجد قوافل من “المحللين” و “الخبراء” الذين ظهروا منذ اندلاع الازمة والذين يسّوقون دون هوادة لنظرية الاسباب والحلول التقنية للأزمة، وكأن مهمتهم تكمن في حماية من أوصل لبنان الى هذه المراتب المتدنية على مؤشرات البنك الدولي وعلى غيرها من المؤشرات العالمية.
فهنيئًا لكل خطط التعافي الاقتصادي والمالي والمصرفي الصادرة عن السلطات اللبنانية، أو عن القطاع الخاص في لبنان، أو بعض الجهات في المجتمع المدني، أو من المنظمات الدولية، إذ أنها لن تؤدي إلى استعادة الثقة طالما يبقى تركيزها على المسائل التقنية وتتجاهل عمدًا أو عن غير قصد الجذور الحقيقية والموضوعية للأزمة.