

– كلمة الاستاذ سعيد الغز: افتتاح اللقاء

أهلاً وسهلاً بكم جميعاً تلبّون دعوتنا مشكورين للمشاركة في هذا اللقاء حول كتاب الرابطة : “كمال جنبلاط : رائد الإصلاح الشامل في لبنان .
لقد حرصنا ، في الرابطة ، أن يحصل هذا اللقاء اليوم في مناسبتين تعنيان لنا الكثير : ذكرى استشهاد المعلم كمال جنبلاط في 1977/3/16 وذكرى مرور 15سنة على تأسيس رابطة اصدقاء كمال جنبلاط في مطلع العام 2010 .
والبداية بالطبع من المناسبة الأولى .
في ذكرى استشهاده غداً ، ستزحف جماهير الوفاء له الى المختارة لتحتفل ، في يوم كمال جنبلاط ، بانتصار الحق على الباطل والخير على الشر ، والفكر الإصلاحي الشامل على نظام القمع والتهجير والإغتيال القاتل .
هم اعتقدوا انهم انتصروا عليه باغتيال جسده ، ولكنهم انهزموا وسقطوا وهربوا ، وهو باقٍ شموخ جبل الباروك وارز الشوف وبمواقفه ونضاله وتصدّيه للطغيان.
فبالرغم من مرور 48 سنة على إستشهاده ، ما زالت الأحداث والإخفاقات والأزمات والإنهيارات والحروب ، تؤكد أنّ المعلم الشهيد يستمّر عَلَماً مميّزاً على الصعيد الوطني اللبناني، كما على الصعيد العروبي المنفتح على الحداثة والديمقراطية السليمة والعدالة الإنسانية والتقدمية ، وكذلك عل الصعيد الفلسطيني كمناضل لا يلين بالنسبة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وعلى رأسها حقه في تقرير المصير وإقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ، تكفل حقّ عودة فلسطينيي الشتات الى ديارهم وممتلكاتهم في فلسطين .. وكان كمال جنبلاط مميزاً ايضاً على الصعيد العالمي كداعية للسلام العادل ، ومقاوم شرس ضد الأحلاف العسكرية والحروب اللاإنساية التي تدمر الحضارة وتهدد مستقبل البشرية ، وكمناضل من اجل الحياد الإيجابي وعدم الإنحياز.
كمال جنبلاط مستمر في ذاكرة الكثيرين كمفكّر إنساني وكقائد مناضل ، نذر حياته لمقاومة الفساد والإفساد والمحسوبية الفئوية والطائفية السياسية والذهنية النفعية المركنتيلية. وهو مستمر كذلك كمعلم مرشد بمشاريعه الإصلاحية ورؤاه المستقبلية ، ينير الطريق ، يرسم الخطط وسبل تحويلها الى برامج عمل وانجازات ويضعها بتصرف كل رجل سياسة ورجل دولة يرغب في العمل للتطوير والتحديث والإصلاح ، بهدف إقامة دولة الرعاية الاجتماعية ، والتضامن والعدالة الإنسانية في المساواة واحترام الحقوق الأساسية دولة المواطنة الحقيقية في “وطن حر وشعب سعيد”.
“كمال جنبلاط حلم بكل ذلك ، وناضل بمختلف الوسائل لتحقيق أحلامه التي عطلها الإغتيال الغاشم ، وقصر نظر أرباب السياسة الذين تناوبوا على السلطة في لبنان ، واوصلوا البلد الى ما يعانيه اليوم من فساد وزبائنية وفشل وولاءات للخارج على حساب الوطن والمواطنين .
فلنستمع اليه يعلن في اعقاب نجاح الثورة البيضاء التي قادها سنة 1952 ضد الفساد :
“أنا أؤمن بلبنان صورة للحق والعدل والمحبة ، فأرضه مقدسة ، وحدوده محرّمة ، وأرزه لا يمسّ ، نوره ساطع مدى الدهر.
انا أؤمن بالحياة الكريمة والتمرّد للحق ، وبالقوة المعنوية والتضحية في سبيل الوطن ، وبالقيم الإنسانية.
أنا أؤمن بعظمة لبنان وتميزه عن سائر الدول بالرّقي والرسالة التي تجلّت على مرّ العصور بأنه موطن التنوّع والعبقرية والفكر”.
أنا أؤمن بالتحرّر من الفقر والعوز ، ومن الجهل والرذيلة والفساد. أؤمن بنظام للبنان يجمع بين الحرية والسعادة والرخاء لجميع المواطنين بحيث يصبح بلداً حرّاً لشعب سعيد. (المرجع: مخطوطة بخطه ، ورد نصّها في الصفحة 39 من كتابه : “المعرفة زاد الإنسان”)
وبعد اغتياله لمنعه من تحقيق برامجه الإصلاحية ورؤيته المستقبلية في لبنان ، دخل البلد في حرب داخلية مدمرة ، استدعت التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية التي جلبت المحن والويلات ، وأوصلت لبنان الى ما انتهى اليه اليوم.
وها نحن اليوم لا نزال نبحث عن وطن اشترط كمال جنبلاط لقيامه :
“أن يتيسر له رئيس شبيه بالرئيس فؤاد شهاب ، مهمته أن يكون حَكماً عادلاً ، وقائداً حازماً ووطنياً متحرراً من القيود الطائفية والمذهبية ، ومن الإرتباطات الأجنبية . مهّمته الأولى والأخيرة ، بناء دولة على أسس ديمقراطية حقيقية ، تكفل الحريات والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص . وأن يكون هذا الرئيس متمرّساً بروح الفضيلة والأخلاق العالية والشجاعة وسداد الرأي ، والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب . وأن يتحلّى بروح الحدب على الفئات الشعبية ، ويحرص في الوقت ذاته على الثروات العامة والمقوّمات الأساسية للدولة . ويعمل على تحقيق لامركزية إدارية موسّعة تعتمد نهج التنمية المستدامة لمختلف المناطق اللبنانية ، وتكفل للبنانيين كامل حقوقهم المشروعة في السياسة والإقتصاد والإجتماع ، ولا سيما الحق في السكن والعلم والعمل والإستشفاء والحماية من البطالة وضمان الشيخوخة”.
(المرجع : من كتابه ” لبنان … والجسر الوطني المقطوع صفحة 32)
على أمل أن نكون مع العهد الجديد قد وصلنا الى آخر النفق المظلم وتراءى لنا بريق الخلاص ، انتقل الآن الى المناسبة الثانية .
بطاقة تعريف برابطة أصدقاء كمال جنبلاط :
من الفكرة الى التأسيس
فكرة تشكيل تجمّع لأصدقاء كمال جنبلاط ، كانت حاضرة على الدوام في ذهن الأستاذ عباس خلف الذي كان الأقرب للمعلم كمال جنبلاط طيلة ربع قرن من النضال . وذلك وفاء منه ، وحرصاً منه على إبقاء هذا التراث الفكري والنضالي حاضراً ونبراساً للأجيال الطالعة التي لم تعايش المعلم ولكنها تتوق لمعرفة المزيد عن تراثه المتنوع والمميّز. طرح الفكرة على مجموعة من الرفاق الذين واكبوا سيرة ومسيرة كمال جنبلاط ، فلاقت قبولاً وترحيباً . وبعد سلسلة من الإجتماعات ، تمّ التوافق على تأسيس رابطة اصدقاء كمال جنبلاط ، وتحقق الحلم في مطلع العام 2010.
الشعار والدور
حدّد المؤسسون للرابطة أن تشكّل منبراً مستقّلاً منفتحاً على كل رأي حرّ ، تحترم التنوّع ضمن الوحدة ، وتتبنّى الموضوعية والنزاهة الفكرية نهجاً . منفتحة على الحداثة والتطور ، والعروبة الديمقراطية المستنيرة .تؤمن باحترام حقوق الإنسان وبالمساواة بين المرأة والرجل وترفض التمييز بين المواطنين وتريد للبنان ان يكون سيداً مستقلاً تقدمياً ، ديمقراطياً في ظل العلمانية الإنسانية كما بشّر بها المعلم .
ورسموا لها الدور أن تعمل على تعريف الأجيال الشابة اللبنانية والعربية على تراث كمال جنبلاط المميز في النضال والسياسة والفكر بفروعه : الفلسفة ، التصوّف ، الأدب والشعر ، والنزاهة والأخلاق والبيئة وسواها من المجالات التي لم تغب عن باله يوماً.
الإنجازات :
الرابطة وعدت ووفت بالوعد ، وهذا كشف موجز بما استطاعت ان تنجزه خلال فترة ممارستها لنشاطاتها:
1- تنظيم 80 ندوة دورية فكرية عالجت مختلف القضايا التي تهم المواطن ، وكرّست العديد منها للإضاءة على فكر المعلم .
2- تنظيم 8 مؤتمرات سنوية عالجت خاصة قضايا وأزمات منطقة الشرق الأوسط.
3- تنظيم 4 مسابقات لنيل جائزة كمال جنبلاط لعمل مميز حققه متسابق في مجال معين.
4- إنشاء موقع الكتروني للرابطة لتحقيق التواصل بين الرابطة ومتابعيها.
5- انشاء مكتبة كمال جنبلاط في مركز الرابطة ، وفتح ابوايها مجاناً امام الراغبين في التثقيف والمطالعة.
6- تسمية شارع في بيروت بإسم كمال جنبلاط.
7- تسمية قاعة احتفالات في كلية الحقوق بإسم كمال جنبلاط في مجمّع الحدث للجامعة اللبنانية.
8- تنظيم معرض شامل عن كمال جنبلاط “السيرة والمسيرة” في قصر بيت الدين.
9- إنجاز فيلم وثائقي طويل عن كمال جنبلاط “الشاهد والشهادة”، عرض في مجموعة من دور السينما والقاعات في بيروت والمناطق والدول.
10- توثيق النصوص الكاملة للندوات والمؤتمرات في كتب سنوية تصدرها في نهاية كل عام .
11- إصدار مجلة الرابطة “فرح” ورقياً في المرحلة الاولى ثم الكترونيا فيما بعد ، توزّع في آخر كل شهر ، وتتضمن مقالات ودراسات سياسية واقتصادية ومالية واجتماعية وجيوسياسية . وصفحة مخصصة للعلوم والتكنولوجيا ، واخرى مخصصة للصحة والغذاء ، ومختارات من الصحافة اللبنانية ، والعربية والأجنبية ، وقسم خاص:”نافذة على فكر كمال جنبلاط : اراؤه ، مواقفه ، أقوال مهمة له ، مشاريعه ومطالبه الإصلاحية.
12- إصدار كتابين : “كمال جنبلاط: قيادة تاريخية ، ورؤية مستقبلية”.
“كمال جنبلاط رائد الإصلاح الشامل في لبنان.
الطموحات :
متابعة النشاطات على خطى المعلم كمال جنبلاط ، والتركيز حالياً على :
– تنفيذ مشروع تثقيفي للشباب لتعريفهم على سيرة ومسيرة المعلم كمال جنبلاط وأثاره الفكرية المتنوعة والمميزة ، على شكل حلقات في لقاءات دورية بإسم “لقاء الأربعاء” ، مدة كل دورة ثلاثة اشهر ، كمرحلة تحضيرية ، على أمل تحويلها مستقبلاً الى “اكاديمية كمال جنبلاط التثقيفية” اذا توفرت لذلك الظروف المناسبة والإمكانيات المالية والبشرية اللازمة لإطلاقها.
– إصدار كتاب توثيقي شامل عمّا حققته الرابطة من انجازات بين العامين 2010-2025 بعنوان : “على العهد بقينا وهذا ما أنجزنا”.
– نحن مصممون ومستعدون لمواصلة العمل وتحقيق الإنجازات طالما الداعمون مستمرون في دعمنا ولهم جزيل شكرنا.
واخيراً ، اسمحوا لي أن أعرض لكم الأسباب التي حملت الرابطة على إصدار الكتاب الذي هو موضوع لقائنا اليوم .
إن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط ، وفاء منها للمعلم الشهيد كمال جنبلاط ، ولرسالته الإنسانية ولرؤاه المستقبلية ومطالبه ومشاريعه الإصلاحية التي اراد منها نقل لبنان من التخلف الى التقدم ، وبناء الدولة الحديثة العادلة والراعية ، دولة المواطنة العلمانية ذات الطابع الإنساني التقدمي ، في ما يتعدّى عوائق الطائفية السياسية والتناحر على تقاسم الحصص على حساب الشعب الذي طالما عانى ولا يزال من استشراء الفساد والمحسوبية والزبائنية والفئوية المذهبية والتبعية للخارج التي عطلت ولا زالت تعطّل تحقيق الوحدة الوطنية في دولة المواطنة ورغبة منها في إعادة تسليط الضوء على تراثه المميز فكرياً ونضالياً بهدف إيصاله الى كل من يرغب في تبدّل الأوضاع ، ويسعى الى تحقيق الإصلاح الشامل الضروري لقيام الدولة الراعية ، قررت رابطة أصدقاء كمال جنبلاط إصدار هذا الكتاب .” كمال جنبلاط : رائد الإصلاح الشامل في لبنان .
كل الشكر لكم ولحسن استماعكم
– كلمة الدكتور عايدة خداج ابي فراج: كمال جنبلاط والاصلاح

مع إستفاقة الطبيعة في آذار يعود ، فتسمو قامة الفيلسوف – الحكيم القادم من “جمهورية أفلاطون” و”أخويه فيتاغورس” ، ومن معابد متصوفي الهند والشرق القديم، ومن التيبت بلاد النساك المتعبدين ، حيث الصفاء الروحي والسكينة ، والتسامح والزهد ، ونقاء الطبيعة البكر التي لم يشأ المعلم الشهيد كمال جنبلاط يوماً أن يقطع حبل صرته ويخرج من رحمها.
وللمفارقة ، أسمح لنفسي أن أقول : إنه وعلى الرغم من مثالية أفلاطون ، إلا أنه شكر ربّه على ثلاث قائلاً : “اشكرك يا رب لأنك خلقتني يونانياً وليس بربرياً ، حراً وليس عبداً ، رجلاً وليس إمرأة ” . لكن المعلم الرسولي قد تحرر من العرقية ، والطبقية ، والجندرية ، فكانت قبلته تحقيق إنسانية الإنسان ، وليد الديمقراطية والعدالة والحرية ، وخلق مجتمع سعيد ، مجتمع الكفاية والقناعة .
ولم يكن المعلم طوباوياً او دونكيشوتياً ، بل حاول تخليق المثال على أرض الواقع ، ورفع الواقع الى مضاف المثال ، ليس في جدلية تعاكس بل في جدلية تلاقٍ بين الخير والخير.
ولتحقيق مجتمع الخير والعدالة هذا ، إنتهج المعلم الإصلاح مسلكاً وسبيلاً ، من أجل انتشال الوطن من مستنقع الفساد والمفسدين ، ومن جهنم التي تستعر نارها يوماً بعد يوم ، ونقله من التخلف الى التقدم ، وبناء الدولة الحديثة ، دولة المواطنة والعلمانية ذات الطابع الإنساني التقدمي.
إعتبر المعلم السياسة “علماً، وعقلاً وأخلاقاً ” ، فخاض غمارها بشغف المصلحين الأخلاقيين”.، ودعا من مئذنة الحق الى الخلاص عن طريق الإصلاح ، محاولاً أن يحول الحق الى قوة ، حق الفقراء والمستضعفين في كريم العيش على قاعدة ثالوث : الخبز ، والعلم والعمل للجميع.
لقد ظننا لوهلة أن برامج المعلم الإصلاحية قد أصبحت حبيسة الأدراج وطي النسيان ، لكن “رابطة أصدقاء كمال جنبلاط” المؤتمنة على فكره ونهجه ، أدركت أن الجراح قد أتخمت جسد الوطن ، والكيان برمته في خطر الإنهيار ، فعملت على إنعاش الذاكرة ، وإستحضار مشاريع كمال جنبلاط الإصلاحية كي يتعافى ويبقى الوطن ، وذلك عن طريق إصدار كتاب “كمال جنبلاط رائد الإصلاح الشامل في لبنان” ، الذي أعده الأستاذ سعيد الغز النقي الفكر والسريرة ، فاستنطق الكلمات بموضوعية الباحث الرزين ، وصدقية المؤمن بقديسه ، وأشرف عليه رئيس الرابطة الاستاذ عباس خلف المناضل الوطني بإمتياز ، واحد النخبويين المؤتمنين على الرسالة ، الذين وصفهم المعلم بالرسل الأبرار.
يشكل الكتاب خارطة طريق ، ومستنداً إصلاحياً ، وإرثاً وطنياً تقدمياً من أجل إعادة بناء الوطن ، وطن التعددية والعيش المشترك .
يغطي الكتاب مسيرة المعلم الإصلاحية منذ البدايات حتى الإفتتاحية – الوصية التي صاغها صبيحة يوم الشهادة في 16 آذار 1977.
فمنذ دخوله الندوة البرلمانية عام 1943 ، ادرك المعلم علّة النظام اللبناني الكامنة في الفساد المستشري في الادارات الرسمية والقيميين عليها . فخاض غمار الإصلاح ونادى بالاستقامة والنزاهة ، وأدرك أيضاً علّة النظام لطائفي الذي حوّل المذاهب الى أحزاب طائفية ، وجعل الكيان إتحاداً فدرالياً للطوائف ، بدل أن يكون دولة قائمة على المواطنة السليمة ، فدعا الى قيام نظام العلمنة ذات الطابع الإنساني التقدمي.
قاد المعلم تحركات مطلبية عدة ، وقدم خمسة مشاريع إصلاحية ، بدأها بثورة على الفساد عام 1951 في عهد الرئيس بشارة الخوري بعدما تحول لبنان الى مزرعة بأمرة أخيه سليم ، فطرح مشروعه الشهير “من أين لك هذا؟” مطالباً بإنشاء محكمة خاصة للنظر في الثراء غير المشروع ، وقدم للرئيس ، هو وجبهة لمعارضة “وثيقة شرف” هي الأولى من نوعها ، تضمنت العديد من الإصلاحات . وخاطب المعلم الرئيس بشارة قائلاً : “أصلح او تنحى”.
لكن الرئيس بشارة لم يصلح ، بل تنحى تحت ضغط الثورة البيضاء التي اطلقها اللبنانيون متكاتفين متضامنين ، خارج القيد الطائفي ، وفي مقدمهم كمال جنبلاط ضد الفساد والمفسدين .
وقد توسم المعلم خيراً بإنتخاب رجل الدولة والإصلاح فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية الذي أرسى مداميك دولة المؤسسات والقانون ، فشكل عهده مناخاً مؤاتياً لجنبلاط لمحاربة الفساد وإطلاق التغيير الديمقراطي . فقدم لفخامة الرئيس برنامجاً إصلاحياً متكاملاً من أجل ترسيخ دولة القانون ، وإقصاء الفاسدين . لكن مسيرة مكافحة الفساد تلكأت بسبب تجار السياسة ، والمال ، وزعماء الطوائف .
وعاود المعلم طرح مشروع “من اين لك هذا؟” على كافة الرؤساء ، لكنه بقي في الأدراج ولم يفرج عنه. لكنه لم ييأس بل خاض معركة الإصلاح الأخيرة مع قيادات الحركة الوطنية ، فصاغوا “البرنامج المرحلي للحركة الوطنية اللبنانية” الذي شكل أساساً للإصلاحات التي توافق عليها اللبنانيون في اتفاقية الطائف.
ولما كان الإصلاح لا يتجزأ ، فقد شملت مشاريع المعلم الإصلاحية السلطات الثلاث ، وسلطة القضاء ، وجملة القطاعات والادارات ، مروراً بالإصلاح المجتمعي، والتربوي ، والاقتصادي ، والمالي ، والصحي ، والبيئي . ونظراً لضيق الوقت ، سأنتقي شذرات أساسية من هذه المشاريع التي تناولت رأس الهرم وصولاً الى القاعدة.
لخص المعلم مواصفات رئيس الجمهورية المرتجاة بالقول : ” على رئيس الجمهورية ان يكون القاضي الذي يحكم بالعدل ويطبق الدستور على اسس الديمقراطية السياسية السليمة ، وان يلتزم بسياسة وطنية عربية واضحة ، وسياسة دولية قائمة على عدم الإنحياز ، وان يضرب المثال في النزاهة والاستقامة”.
وقد شدد المعلم على قانون إلغاء الطائفية السياسية من النصوص الدستورية للوصول الى الدولة المدنية والعلمنة كمنطلق لكافة الإصلاحات ، مطالباً بإصلاح ديمقراطي للتمثيل الشعبي ، وجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة ، وتطبيق مبدأ النسبية، واللامركزية الإدارية ، وتفعيل دور البلديات ، وتوسيع صلاحياتها.
أما فيما يخص السلطات ، فقد طالب بفصل النيابة عن الوزارة ، واستقلالية السلطة القضائية ونزاهتها ، وإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة الرؤساء ، ووضع قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، والغاء الألقاب .
أما على الصعيد المجتمعي ، فطالب بإقرار الضمان الاجتماعي والصحي وتوسيع نطاقه ليشمل العمال والمزارعين والفلاحين ، وسائر الفئات الفقيرة والمتوسطة ، وضمان الشيخوخة ، والحفاظ على الصحة العامة والبيئة ، و دعم الدواء ، وتأمين الطبابة للجميع.
وقد استحوذ الإصلاح الإداري على اهتمامه ، فاقترح القوانين لتنظيم الإدارة وضمان فعاليتها ونزاهتها ، وحصر تعيين الموظفين بمجلس الخدمة المدنية ، وتطهير الدوائر الرسمية من الفاسدين والمرتشين ، واعتماد الكفاءة الخلقية والإدارية في التعيينات العامة .
واولى المعلم التربية اهتماماً خاصاً ، واعتبرها أساساً جوهرياً في تكوين وترسيخ المفاهيم الوطنية ووحدة الشعب ، لذلك طالب بالزامية ومجانية التعليم ، وتوحيد المناهج والكتاب المدرسي وأعداد المعلمين الأكفاء ، واستقلالية وتطوير ، وتفريع الجامعة اللبنانية.
وكان للمرأة حصتها في الإصلاح ، فهو اول من نادى بحقها في الترشح للإنتخابات النيابية ، وتحقيق مطالب الحركات النسائية الديمقراطية ، وتوسيع مجالات العمل للسيدات في الصحة ، والشؤون الاجتماعية ، والمالية والقضائية ، والتربوية ، لأن المرأة ، كما كان يقول ، اكثر تجرداً بشكل عام من الرجال . ودعا الى الحفاظ على الأسرة والأخلاق ، والزواج المبكر .
ولما كان هاجس المعلم هو الحرية ، فقد طالت مشاريعه الإصلاحية حرية الفكر والتعبير ، وحرية ووحدة العمل النقابي ، وحرية الأحزاب شرط ألا تكون طائفية.
وتناولت مشاريع المعلم ايضاً تنظيم الجيش ، وحصر مهامه في الدفاع عن الوطن ، وعدم اقحامه في الصراعات الداخلية ، وقيامه بمسؤولياته القومية حيال القضية الفلسطينية .
وقد شملت مشاريع المعلم الإصلاحية أيضاً ترشيد الاقتصاد ، والتجارة والصناعة الوطنية. وأولى الزراعة إهتماماً خاصاً ، وطالب بدعم المزارعين وتصريف الإنتاج، وإنماء الريف للحد من النزوح الى المدن . وشدد على الزامية مشاركة الشباب في الانتاج والعمل التطوعي ، وانشاء التعاونيات شرط ان يكون العمال شركاء في الإدارة والأرباح.
وماذا بعد ؟ فمن الصعب جداً الإحاطة بمشاريع المعلم الإصلاحية والتنموية ، لذلك أنصح بإقتناء الكتاب وقراءته.
ولا بد من الإشارة ، الى أن المعلم قد مارس عملية الإصلاح والتطهير في الوزارات التي شغلها . فحارب الفساد ، والتهريب ، والتزوير ، وضبط الأسعار ، ومنع الرشوة، ولاحق المرتشين ، فاصبح شفيعاً ونصيراً للفقراء ، ما حدا باحد الكهنة الذي كان يزور المختارة على رأس وفد من أهالي زغرتا ان يقول له :” يا كمال بيك ، اكثرية اهل زغرتا معلقين صورتك حد صورة العذرا”.
ومارس المعلم مبدأ “كل مواطن ملاك” ، فوزع الأراضي على العمال والفلاحين باسعار رمزية ، واكتفى بالقليل على كثرته.
وشكل المعلم المثل والمثال في النزاهة والإستقامة . يروي الاستاذ عباس خلف في كتابه “ملح الارض” أن في إحدى زيارات المعلم للرئيس عبد الناصر ، سأله الرئيس لماذا لا تصدر “جريدة الأنباء” ، يومياً ؟ فاجابه المعلم ان المال هو العائق . وبعد عودة المعلم الى بيروت تفاجأ الجميع في مركز الحزب التقدمي الاشتراكي ، ان الرئيس عبد الناصر قد أرسل مبلغاً من المال لدعم “الأنباء”. ففرح الشباب وهللوا ، فما كان من المعلم إلا ان رفض المساعدة وأمر بإعادتها الى مصدرها حتى ولو كانت من صديقه الرئيس عبد الناصر ، وذلك كي يبقى حراً في اتخاذ القرارات ولا يرتهن يوماً لأحد ، لأن التبعية الاقتصادية ستؤدي حكماً الى ارتهانات من نوع آخر.
وبقي هاجس الإصلاح لا يفارقه يوماً حتى صبيحة يوم الشهادة في 16 آذار 1977 ، فختم برامجه الإصلاحية بافتتاحية للأنباء هي بمثابة وصية طالب الجميع بتنفيذها. واليوم اخال أن طيفه يحوم في المكان ، يتفرس في الوجوه التي احبته ، ويعيد تلاوة الافتتاحية – الوصية ويقول :
“الإصلاح هذه المرة يجب أن يكون جذرياً ، والأ تسبب لنا بالمحن والويلات،… إننا نناشد رجال السياسة ان يدعوا جانباً خلافاتهم… وأن يلتفوا على رأي واحد ، ونهج واحد … وطريق واحد من اجل تقويم الإعوجاج القائم في المؤسسات ،… والإلتفاف حول برنامج الحركة الوطنية اللبنانية للإصلاح السياسي”.
والتزاماً بوصيتك ايها المعلم الاستثنائي والرسولي ، ستعمل “رابطة أصدقاء كمال جنبلاط” على تنفيذ وصيتك ، وتناشد الرئيس جوزاف عون الذي أعاد الى الأذهان صورة الرئيس فؤاد شهاب ، والذي ضمّن خطاب القسم معظم ما طالبت به من إصلاحات على امتداد العهود ، تناشده كما سبق لك أن ناشدت الرئيس فؤاد شهاب قائلاً:
“اذا لم تصطلح الإدارة وتتطهر في هذا العهد ، فلن تصطلح في أي عهد آخر. إننا نشدد على ضرورة التطهير ، دون شفقة ولا رحمة ، لأن الراشي والمرتشي ، والمختلس لأموال الدولة لا يجوز ان نغفر له ، أو نتناسى جريمته”.
ونختم آملين أن يجيب هذا العهد على سؤالك الذي انتظرته وانتظرناه طويلاً : “من اين لك هذا؟” كي يعود الحق الى نصابه والى أهله ، وكي يعود لبنان الوطن الذي نستظله جميعاً ، تحت راية الديمقراطية ، والعلمانية والعدالة والحرية.
– كلمة الدكتور نسيب غبريل: كمال جنبلاط والاصلاح الاقتصادي والمالي
عندما طلب مني الاستاذ عباس خلف المشاركة في الندوة حول الكتاب الذي أصدرته رابطة أصدقاء كمال جنبلاط تحت عنوان ”كمال جنبلاط رائد الإصلاح الشامل في لبنان”، لفتني العنوان لأن الإصلاح لا يتجزأ، وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه كل من طرح حلولًا تقنية للأزمة الاقتصادية الحالية وتجاهل عمداً الشق المتعلق بالحوكمة والإدارة الرشيدة والإصلاح السياسي. والجدير بالذكر أن رؤية المعلم كمال جنبلاط للإصلاح كانت شاملة حين طرحها في أربعينات خمسينات و ستينات القرن الماضي، وما تزال هذه الرؤية صالحة اليوم لإيجاد حلول للأزمة الحالية. أيضاً، لو طبق المسؤولون والمعنيون هذه الرؤية لكنّا تجنبنا الأزمات الحالية.
أولاً، في إصلاح السلطة التنفيذية، كتب كمال جنبلاط ان ”أزمة الحكم في السلطة التنفيذية سببها أن الحكومات المشكّلة تفتقر للانسجام والوحدة في التفكير والإرادة في العمل.” وهذه كانت حال معظم الحكومات التي تشكلت بعد اتفاق الطائف. أضاف ”ما في أحد سميّ ليؤلف الحكومة حمل معه برنامجاً واضحاً وأفكاراً مبدئية متسلسلة فيما يجب أن يفعله أو يشرّعه.” كذلك، ”المطلوب تقوية السلطة التنفيذية وتمكينها من تنفيذ برامج الإصلاح الإداري والاقتصادي والاجتماعي.”
أيضاً، ”يجب على رئيس الحكومة ان لا يتسلم أية مسؤولية وزارية، وأن يحصر اهتمامه بمسؤولياته كرئيس حكومة فحسب أي مراقبة أعمال الوزراء وملاحقة تنفيذها، وبكل ما له علاقة بتحقيق البرنامج الوزاري.” كذلك ”يجب أن يتطابق عمل الوزارة في وزاراتهم مع البرنامج العام الذي وضعته الحكومة.”
و اضاف، ”فصل الوزارات عن النيابة واسقاط صفة النيابة حكماً عن كل وزير.” وأخيراً وليس آخراً ”يحق للحكومة ان تتخذ قرارات بطرح المواضيع الهامة على الاستفتاء الشعبي العام المباشر، وتكون نتيجة الاستفتاء الايجابية ملزمة للحكومة وموجبة للتطبيق.” فلو طُبقت هذه الأفكار، ولو تدريجياً، لكان انتظم عمل السلطة التنفيذية وتجنب لبنان أزمات حكم وفترات طويلة من شلل لعمل السلطة التنفيذية. وفي هذا السياق، نصح كمال جنبلاط ”الحاكم ليس بحاجة إلى حاشية، بل إلى مستشارين مخلصين والى مرشدين وعارفين في الأمور العامة يدلونه على متطلبات الرأي العام وتطوراته.”
أما بالنسبة للمحاسبة ومكافحة الفساد، وما اكثرهم في هذه الأيام من يتاجر بموضوع مكافحة الفساد، فكتب في اﻟ1966 ”نحن نريد حكماً لا يخاف من استئصال آفة الفساد والافساد في الادارة، وفي اوساط السياسيين والحكام الحاليين والسابقين، ويتابع التطهير ويجعله يشمل القطاع السياسي. ”ونصح ”بتطبيق قانون ”من اين لك هذا؟” من قبل المحاكم المختصة بحق الرؤساء السابقين والوزراء والنواب السابقين وموظفي الدارة العامة لأن ذلك هو الوسيلة الوحيدة لإعادة هيبة الحكم والقضاء على الرشوة التي لا تزال مستحكمة في أجهزة الدولة.”
وأضاف، ”تطهير ملاكات الإدارة من أرباب الفساد والرجعية في التفكير وانعدام الكفاءة الخلقية والمعنوية والإدارية.”
أما بالنسبة لإصلاح السلطة القضائية، فبدأ جنبلاط من ضرورة ”الانطلاق من مبدأ تحقيق الاستقلال التام للسلطة القضائية عن باقي السلطات” وتابع، ”جعل مجلس القضاء الأعلى المرجع الوحيد لتعيين القضاة ونقلهم وترفيعهم وإنهاء خدماتهم.” أيضاً، اختيار أعضاء مجلس القضاء الأعلى بالاقتراع السري المباشر من قِبل أفراد الجسم القضائي مرة كل سنتين.” وأضاف، ”تحقيق اللامركزية في القضاء وإقامة المحاكم البدائية في المناطق وتخفيض الرسوم القضائية”، كما إنشاء تفتيش دائم وفاعل للقضاء يتناول سلوك القاضي، مواظبة العمل، والمقدرة الحقوقية.” كما ”رفع مستوى القاضي المادي وجعله قادراً على أن يعيش المعيشة التي تتلاءم مع وضعه المعنوي، وتأمين السرعة في تنفيذ الأحكام.”
وفيما يتعلق بالإصلاح الإداري، طالب كمال جنبلاط ”بالتحقيق في ثروات الموظفين وفصل كل موظف في الخدمة أثرى إثراء غير مشروع ابان قيامه بوظيفته، على ان يتوفر للموظف الحق في مقاضاة الدولة أمام محكمة الإثراء غير المشروع لتبرئة نفسه.”
وأصرّ على ”إعادة تنظيم الإدارة لتبسيط أجهزتها وضمان فعاليتها ونزاهتها وتنفيذ قانون الإثراء غير المشروع بين جميع القائمين بخدمة عامة من سياسيين وموظفين.” وأضاف ”إلزام الإدارة بتنفيذ القرارات القضائية لمجلس الشورى تحت المسؤولية الشخصية للوزير.” كما طالب ”بتطهير ملاكات الإدارة من أرباب الفساد والرجعية في التفكير وانعدام الكفاءة الخلقية والمعنوية والإدارية.”
فيما يخص الاصلاح الاقتصادي، استفاض كمال جنبلاط في هذا الموضوع نظراً لأهميته، فكتب ”من مهمات الدولة الجديدة المهمة الإقتصادية، والدولة الحديثة اليوم تشترك في الإنتاج حيناً، وتكتفي في بعض الشؤون بتسهيل الحركة الإقتصادية بوسائل غير مباشرة كتحسين طرق المواصلات والبنى التحتية، وسن القوانين المشجعة لبعض الصناعات الضرورية، وانشاء نقابات مشتركة بين المنتج والعامل وغيرها، كما على الدولة ان تضع برامج اقتصادية وعمرانية تمتد على عدة سنوات.” كذلك، دعا لتشجيع وتنظيم حركة السياحة والاصطياف كمصدر هام داعم للاقتصاد. والجدير بالذكر ان الحركة السياحية تشكل مصدر اساسي للعملات الصعبة في لبنان. ففي اﻟ2023 بلغت الإيرادات المباشرة من السياحة 5.3 مليار دولار. ولولا اندلاع حرب الاسناد لكانت هذه الإيرادات أكثر من هذا المبلغ.
وطلب بشكل خاص تنمية الصناعة اللبنانية وحمايتها، وإطلاق حرية تأسيس المعامل وتشجيع التصدير باعتماد مبدأ المكافأة للسلعة المصدرة، وتخفيض اسعار المحروقات والطاقة الكهربائية المخصصة للصناعة واستصدار تشريع توزيع الصناعات على المناطق اللبنانية. وهذا ما تعاني منه الصناعة اللبنانية ليومنا هذا. وشجع على ايجاد اسواق لتصريف المنتجات الزراعية والصناعية، ووضع منهاج اقتصادي لتأمين انتاج كاف لسد حاجات البلاد من القمح وسائر الحبوب والمواد الغذائية. وقد برز موضوع الأمن الغذائي مع اندلاع الأزمة الاقتصادية في اﻟ2019، ولو تم وضع خطة للأمن الغذائي حين نصح بذلك كمال جنبلاط، لكان جنّب اللبنانيين العديد من المعانات والقلق وارتفاع في اسعار المواد الغذائية والاعتماد على الاستيراد.
كما دعا الى اصلاح نظام الضرائب والرسوم وتوزيعها على الفئات الاجتماعية على اساس الانتاج والقدرة على الدفع، والى تخفيض الضرائب والرسوم غير المباشرة على المواد الضرورية، وإلغائها على المواد الأكثر ضرورة.
في موضوع المالية العامة، طالب باصلاح أصول وضع موازنة الدولة وإقرارها وإنشاء هيئة خاصة للإشراف على تنفيذها مرتبطة مباشرة مع المجلس النيابي وتنوب عنه في تدقيق حسابات الدولة. وهذا الموضوع بالذات، اي تدقيق حسابات الدولة، يخضع منذ عدة سنوات لجدل عقيم كان ممكن تجنبه لو طبقت هذه الإجراءات.
أما في الشأن المصرفي، فكان له رأي عابر للعقود وللزمن، يصلح للأزمة الحالية تماماً كما كان يصلح في مرحلة أزمة بنك انترا. مقال، ”تظهر الحقائق الموضوعية أن الدولة، ونقصد بذلك السلطة التي تدير شؤون الدولة، هي التي تصطنع الأزمات، وتتسبب بها. فهذه السلطة هي اللتي كانت السبب المباشر لحدوث ازمة بنك انترا و بالتالي لوقوع الأزمة المصرفية العامة و اتصدع المركز المالي الممتاز الذي كان لمدينة بيروت. فلو سمع منا المسؤولونو تقدموأ بالعن الكافي اتأمين السيولة اامصرف المذكور لكانوا وضعو حذا” للعراقيل التي قام بها بعض موظفي البنك المركزي و للمؤامرة الفعلية بإشاعة اسوأ الأخبار في الاوساط المالية عن المصرف المذكور، ولما حدث ما حدث، لكانت الودائع في مصارفنا زادت رغم نكسة الحرب الاسرائلي في حزيران 1967.”
عمليأ، ما قاله كمال جنبلاط عن الازمة المصرفية في ذلك الحين يمكن استنساخه على الأزمة المالية الحالية. و لو استعان المسؤولون في ال2019 و ال2020 برائيه، لكان، تجنب لبنان واللبنانيين الازمة الحلية و تداعياتها الوخيمة على الثقة وعلى الاقتصادة الوطني.
اخيرا” و ليس آخرا”، اريد التذكير ان كمال جنبلاط كان يدافع دائما” عن الحق بالملكية الفردية و يعتبرها حجر اساس للازدهارالاقتصادي و لتشجيع المبادرة الفردية. وبذلك ، كان يرفض العقائد السائدة في تلك المرحلة التي كان تنادي بالتأميم و بإعادة توزيع الدخل والثروات على حساب المصلحة الوطنية.
– كلمة الاستاذ طلال جابر: ادارة اللقاء

سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الدكتور سامي أبي المنى، ممثلا بالعميد الدكتور غازي محمود،
رفيق المعلم، معالي الأستاذ عباس خلف،
أصحاب المقامات العسكرية والإدارية والسياسية والدينية،
أيها الأحرار، يا أبناء الوطن، يا صناع الغد،
نقف اليوم لنستذكر رجلاً من عظماء هذا الشرق، رجلًا لم يكن زعيمًا سياسيًا فحسب، بل كان فيلسوفًا، مفكرًا، مصلحًا، ومناضلًا لا يلين أمام الظلم والتخلف. إنه المعلم كمال جنبلاط، رجل الإصلاح والتغيير، حامل مشعل العدالة والحرية، الذي لم يرضَ أن يكون الوطن حكرًا على قلة، ولا أن يكون الحكم فاسدًا يتحكم به أهل المصالح الضيقة، بل ناضل كي يكون لبنان وطنًا لكل أبنائه، حُرًا، ديمقراطيًا، تسوده العدالة الاجتماعية والمساواة.
لقد رفع المعلم كمال جنبلاط راية الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في وجه قوى الاستبداد والفساد. نادى بإلغاء الطائفية السياسية، هذه الآفة التي جعلت من لبنان ساحةً للصراعات بدل أن يكون وطنًا للعيش المشترك. آمن بأن الدولة لا تُبنى على المحاصصة، بل على الكفاءة، النزاهة، والعدالة الاجتماعية. طالب بلبنان مدني، حيث القانون فوق الجميع، حيث المواطن يُعامل على أساس حقوقه وواجباته، وليس على أساس انتمائه الطائفي أو السياسي.
وفي الاقتصاد، رفض أن يبقى لبنان أسير الاقتصاد الريعي الذي يخدم طبقة معينة، ودعا إلى اقتصاد منتج، إلى تطوير الزراعة والصناعة، إلى حماية الطبقة العاملة، إلى العدالة في توزيع الثروات، إلى التعليم المجاني، إلى الطبابة للجميع، إلى حقوق الفقراء والمحرومين، إلى كرامة الإنسان.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد كان كمال جنبلاط صوت المرأة، نصير العمال، حامي البيئة، رائد الحداثة والتطور. لم يكن مصلحًا فقط، بل كان ثائرًا على الجهل والتخلف، وكان يرى في الشباب طاقة التغيير، وكان يؤمن أن العدل وحده هو الأساس لبناء أي مجتمع سليم.
أنشأ حزبا علمانيا يؤكد على أهمية القيم الإنسانية والعدالة الاجتماعية، واعتبر أن التمييز بين الناس يجب أن يكون بناءً على الكفاءة والأخلاق، وليس على الأسس الطبقية أو الطائفية. وقد استمر الحزب مع القائد وليد كمال جنبلاط،، والمسيرة مستمرة مع رئيسه تيمور وليد جنبلاط.
واليوم، في هذا الزمن الذي يرزح فيه لبنان تحت وطأة الأزمات، وفي وقتٍ أصبح فيه الإصلاح شعارًا بلا فعل، علينا أن نستحضر فكر المعلم كمال جنبلاط، لا كنظرية نقرأها، بل كنهجٍ نطبّقه، كقضيةٍ نحملها، كمبدأٍ نؤمن به. لأن لبنان الذي حلم به كمال جنبلاط لم يتحقق بعد، ولبنان الذي نريد تحقيقه هو لبنان العدالة، لبنان الوحدة، لبنان الإنسان.
أيها الأحرار، أيها الأوفياء لنهج الحق والعدالة،
في ذكرى الغد المشحونة بالدم والألم، نقف وقفة عز وإباء، لنستعيد معًا سيرة معلمنا وقائدنا الاستثنائي، الرجلٍ الذي كان أمة في رجل، المعلم الشهيد كمال جنبلاط.
لم يكن المعلم مجرد زعيمٍ سياسي، بل كان ضميرًا حيًا، وقلبًا نابضًا بفكرٍ مستنير، وقوةً ثائرة في وجه الظلم والطغيان. اغتيل لأنه حمل راية الحق، ولأنه تجرأ على قول “لا” في زمنٍ كثرت فيه “النعم” الزائفة. لكنّ الرجال العظام لا يموتون، بل يتحولون إلى أيقونات تتوارثها الأجيال، فتكون نبراسًا لمن يرفض الرضوخ، وسيفًا في وجه الطغاة.
ألم يكن هو أول من ناصر القضية الفلسطينية بحق وإخلاص، حيث تم انتخابه رئيسا للجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية.
واليوم، في ذكرى استشهاده، تتزامن العدالة مع الحقيقة، حيث يسقط النظام الغاشم، ويُلقى القبض على القاتل الذي ظنّ أن الزمن سيطوي جريمته. لكنّ العدالة، وإن تأخرت، لا تموت. هذا السقوط ليس مجرد حدثٍ سياسي، بل هو انتصارٌ لمبادئ المعلم الشهيد، وانتصارٌ لكل الشهداء الذين رووا بدمائهم الطاهرة تراب الحرية.
أيها الرفاق، أيها الأصدقاء، أيها الأحرار،
لم يطالب المعلم كمال جنبلاط بالحكم، بل كان رجلًا يطالب بالحق. لم يكن يبحث عن سلطة، بل كان يحمل رسالة.
واليوم، إذ نشهد سقوط الجلاد وانكشاف القاتل، فإننا ندرك أن ما بدأه المعلم لم يكن حلمًا عابرًا، بل كان مشروعًا حقيقيًا نحو وطنٍ حر، ديمقراطي، وعادل.
لنكن أوفياء لهذه الدماء، ولنجعل من ذكرى استشهاده منارةً ترشدنا نحو مستقبلٍ لا مكان فيه للظلم، لا مكان فيه للقهر، ولا مكان فيه للخضوع.
التحية لروح كمال جنبلاط، التحية إلى رفاقه ولكل من ساروا على دربه، والتحية لكل من ما زالوا يؤمنون أن الفجر، مهما طال ليله، قادمٌ لا محالة.
مع حفظ الألقاب، شكرا عباس خلف، شكرا غادة جنبلاط، شكرا سعيد الغز، شكرا عايدة أبي فراج، شكرا للهيئة الإدارية لرابطة أصدقاء كمال جنبلاط وجمهورها الوفي.
والشكر أيضا لبلدة عيناب الأبية ومجلسها البلدي ورئيسه الحبيب الدكتور غازي الشعار على الاستضافة اللائقة.
فلنكن على العهد، ولنحمل مشعل الإصلاح كما حمله المعلم كمال جنبلاط، ولنكمل مسيرة الحق التي دفع ثمنها حياته، لأن لبنان يستحق، لأن الشعب يستحق، ولأن المستقبل لا يُصنع إلا بيد الأحرار.
الأستاذ سعيد الغز:
هو المثقف المستنير، والاشتراكي العتيد منذ مطلع الشباب، والمؤتمن على أسرار “رابطة أصدقاء كمال جنبلاط “، المؤتمنة بدورها على فكر ونهج المعلم الشهيد كمال جنبلاط. ميدانه الفكر، وسلاحه يراع وكلمة.
انه الأستاذ سعيد الغز الذي أعد كتاب “كمال جنبلاط رائد الاصلاح الشامل في لبنان”، وبأشراف رئيس الرابطة الأستاذ عباس خلف. فجاء هذا الكتاب الشامل لكافة مشاريع المعلم الشهيد الاصلاحية ليشكل طريق الخلاص من اجل قيامة وطن الديمقراطية والعدالة.
الدكتورة عائدة خداج ابي فراج:
انها المربية، والأديبة، والكاتبة، والناشطة الاجتماعية الدكتورة عائدة خداج أبي فراج .
ميدانها الثقافة، تعمل بلا كلل من أجل نشر الفكر والمعرفة، ونصرة المرأة وقضاياها المحقة .
– هي المستشارة الثقافية لرابطة أصدقاء كمال جنبلاط.
– رئيسة المنتدى الأهلي الاجتماعي بعلشميه.
– نائبة رئيسة تجمع الجمعيات النسائية في الجبل ورئيسة اللجنة الثقافية.
– عضو في المجلس النسائي اللبناني.
– عضو في اللجنة التأسيسية لجمعية “سند للتعاضد الاجتماعي”.
لها العديد من المؤلفات الأدبية ،والابحاث والدراسات، اضافة الى تحقيق واصدار سبعة كتب لزوجها الراحل الدكتور عفيف ابي فراج.
الدكتور نسيب غبريل:
باحث اقتصادي ومالي لديه العديد من المنشورات عن الاقتصاد اللبناني وعن اقتصادات الشرق الاوسط افريقيا والاسواق الناشئة، كما عن الاسواق المالية و النقدية و النفطية العالمية. يشغل منصب كبير الاقتصاديين ورئيس مديرية البحوث والتحاليل الاقتصادية في مجموعة بنك بيبلوس منذ آذار٢٠٠٦.
ناشر لأكثر من ٨٥٠ تقرير عن الاقتصاد اللبناني، وأكثر من ٨٣٥ تقرير اقتصادي عن الأسواق الناشئة ومنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.
نجل الراحل اسكندر غبريل، محافظ الشمال سابقا” و أحد رفاق درب كمال جنبلاط.