لبنان ، بحكم موقعه الجغرافي ، وبحكم الظروف التاريخية لتكوينه ، وبحكم ما شهدته ولا زالت تشهده منطقة الشرق الاوسط ، من احداث دامية ذات طبيعة عنصرية او طائفية او مذهبية ، دفعت وتدفع بالمضطهدين ضحايا هذه الاحداث الى اللجوء الى لبنان ولذلك تحول الى فسيفساء طائفية ومذهبية ودينية وعرقية ، والى مختبر لتعايش كل هذه المكونات ، بلد للتعددية.
لبنان هذا ، اريد له ان يكون اكثر من دولة، بلد الرسالة والنموذج للعيش المشترك والتعددية في منطقة الشرق الاوسط.
هذا كان المبتغى الانساني للتجربة اللبنانية ، ولكن واقع الامور ، وممارسة زعماء الطوائف عطلت هذا الدور واغرقت لبنان في سلسلة من الازمات. فمجموعات الاقليات التي تكوّن منها المجتمع اللبناني والنسيج اللبناني، قدمت اولوية الولاء للعرق او للطائفة او للمذهب، او للحزب الممثل لكل منها على الولاء للوطن. وتحول لبنان الى خليط غير متجانس من شعوب على ارض الوطن المفتقد لولاء ابنائه.
فمنذ قيام الدولة اللبنانية بحدودها الراهنة سنة 1920، على اسس طائفية، كانت مشكلة لبنان الرئيسية ولا تزال التفرقة الطائفية ، والتعصب الطائفي وسعي مستغلي الطائفية الدائم لفرض سيطرة فريق طائفي في المناصب والوظائف والاقتصاد والعلم والرعاية الصحية الاجتماعية ، على سائر الفرقاء، او هذا ما اتفق على تسميته على التوالي : المارونية السياسية ، والسنية السياسية ، ثم الشيعية السياسية استناداً لمواثيق سميت وطنية وهي في واقعها طائفية. وكان كل خروج عن مضامينها، يعرّض البلد الى خضات اجتماعية متفاوتة الخطورة ، كان اقساها ما تعرض لبنان له من احداث دامية سنة 1975 استمرت حتى العام 1990. ولا زال لبنان يعاني من تداعياتها الى اليوم.
المتاجرون بحقوق الطوائف استغلوا الغريزة الطائفية ، وأوهموا ابناء طوائفهم انهم يدافعون عنها ويطالبونها بالولاء الاعمى والاستعداد للموت من اجل بقاء هؤلاء الزعماء في مناصبهم يستغلونها لمصالحهم الشخصية او الفئوية او الحزبية.
هذا النهج الاستغلالي عطل قيام الدولة العادلة وجرّ اللبنانيين الى الاختلاف والاقتتال على كل شيء. يسكتون عن المرتكب والفاسد والفاشل والمتآمر ، ويحولون دون مساءلته ومحاكمته. لان هؤلاء المتزعمون يحتمون بحقوق طوائفهم لحماية انفسهم، حتى لو كان ما يرتكبوه يضر بمصالح ابناء طائفتهم. واصدق دليل على ذلك ما يعاني منه ابناء جميع الطوائف دون استثناء مما اوصلتهم اليه المنظومة الحاكمة بإسم هذه الطوائف: لا دواء، لا قدرة على الاستشفاء ، لا ماء ، لا طعام ، لا محروقات، لا انتاج، ولا عمل ، ولا علم، بل امراض، ومجاعة وعوز وافلاس وهجرة تفقد لبنان قدراته العلمية والتقنية .
ولعل اخطر ما يواجهه لبنان اليوم ، هو استمرار المتاجرين بحقوق الطوائف في مسلكهم المعطل لتشكيل السلطات القادرة على ادارة شؤون البلاد بحجة الدفاع عن الحصص الطائفية التي هي في الواقع مصالح شخصية او فئوية. وبسبب هذه التصرفات يواجه اللبنانيون مخاطر كيانية ووجودية، ولا خلاص للبنان الا بفضح هؤلاء المتاجرين بكل شيء ، والتخلي عنهم للانطلاق في مسار بناء دولة المواطنة المدنية العلمانية التي وحدها تخدم القوانين والدساتير وتحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص دون تمييز بين مواطن وآخر على اساس الجنس او العرق او الدين او الطائفة او المنطقة. فبهذا فقط يسلم الكيان ويتوحد الشعب، في كنف دولة الرعاية والحماية.