ماذا تفعل لو كنت الشيخ نعيم قاسم الأمين العامّ لـ”الحزب”؟ ماذا تفعل وأنت المسؤول الأوّل عن مصير “الحزب”، عن شريحة كبيرة من الطائفة الشيعيّة وعن أهل الجنوب الكرام الذين تعرّضوا لوحشيّة الدمار الإسرائيليّ لبيوتهم وحوّلهم من أصحاب بيوت ومصانع ووظائف محترمة إلى لاجئين يبحثون عن مأوى ومأكل والحدّ الأدنى من ضرورات الحياة؟
ماذا تفعل كمواطن لبنانيّ وزعيم حزب سياسي لديه مشاركة في البرلمان والحكومة؟ ماذا تفعل وهناك اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة وخطاب القسم، وبيان حكومة نوّاف سلام، وقرار هذه الحكومة الصريح الواضح لحصر استخدام السلاح بالدولة وحدها من دون سواها؟ ماذا تفعل وهناك إجماع دوليّ وإقليميّ على حصريّة السلاح واعتبار هذا الأمر شرطاً أساسيّاً لا بديل عنه في أيّ تعاون اقتصاديّ أو دعم للشعب اللبناني؟
ماذا تفعل بعد اتّفاق واشنطن لإيقاف إطلاق النار على الجبهة اللبنانيّة مؤقّتاً وربط ذلك بسحب سلاح “الحزب” وامتناعه عن ممارسة أيّ عمل مسلّح ضدّ إسرائيل؟
ماذا تفعل بكلّ ذلك؟ هل تلقي به في البحر أم تفكّر فيه بعمق وتدرك أنّك و”الحزب” ولبنان على مفترق طرق تاريخيّ تتأرجح فيه الأمور بين التغيير الجذريّ أو الجمود المهلك، وبين الإدراك الواعي الذكيّ لتغيير رئيس في قواعد اللعبة دوليّاً وإقليميّاً يستلزم مسايرتها بذكاء؟
سوف يُطلب من نعيم قاسم القرار الأصعب في تاريخ مستقبل “الحزب”، وهو أن يتحوّل من حزب إيرانيّ إلى حزب لبنانيّ، أي أن يصبح “الحزب” الذي بدأ تأسيسه عام 1982 حزباً مغايراً تماماً في 2026!
ما هو المطلوب
لا أحد يطلب منك الاستسلام أو التنازل أو التضحية بأرواح الشهداء الأبرار أو محو تاريخ إسرائيل الأسود مع أهل الجنوب. إذاً ما هو المطلوب منك؟
في الفقه الإسلاميّ، كانت مسؤوليّة الحاكم أو الوليّ أو الشيخ أو ربّ الأسرة أولويّة لا تعلوها أيّ أولويّة، وهي “أولويّة” “حفظ الإنسان” و”سلامة الجسد”.
يقول سيّد الخلق محمّد بن عبدالله صلّى الله عليه أفضل الصلاة والسلام في هذا المجال عقب توقيعه صلح الحديبية الذي مارس فيه دور السياسيّ التكتيكيّ وقبِل شروط قريش التي بدت تحكّميّة وغير عادلة: “ليس عليّ أشدّ خير من الصلح”.
قال أحد أكثر الثوريّين حكمة في هذا القرن، وهو نيلسون مانديلا: “إذا أردت أن تضع سلاماً مع عدوّك فعليك أن تعمل معه حتّى يصبح شريكك”.
تفاوض الرسول عليه الصلاة والسلام مع كفّار قريش، وتفاوض مانديلا مع نظام الفصل العنصريّ الذي أمعن في سجنه وحرمانه وحرمان شعبه من أبسط الحقوق الإنسان.
نأتي على النموذج الأمثل الذي يؤمن به الشيخ نعيم قاسم ويدافع عنه ونقول إنّ نظام الوليّ الفقيه حاور ويحاور العدوّ الأميركيّ في عهد الإمامين الخميني والخامنئي، والآن في عهد الإمام مجتبى خامنئي. من هنا تصبح القاعدة التي يجب أن تُتّبع أنّ ما يصبح حلالاً لدى الوليّ الفقيه لا يمكن أن يكون حراماً على المقلّدين والحلفاء والأتباع.
ملامح التّسوية
هنا يبرز السؤال الأكبر: ماذا يمكن أن يكون موقف “الحزب” اللبنانيّ إذا توصّلت طهران وواشنطن إلى تسوية تكون ملامحها على النحو التالي:
إيقاف المواجهات العسكريّة بين إيران والولايات المتّحدة وإسرائيل.
إقامة إيران علاقات طبيعيّة سلميّة مع جيرانها والتقيّد بعدم التدخّل في دول المنطقة عبر الحلفاء والوكلاء (الحوثي في اليمن، والحشد الشعبيّ في العراق، و”الحزب” في لبنان)؟
باختصار ماذا سيفعل “الحزب” اللبنانيّ المؤمن تماماً بمرجعيّة دولة الوليّ الفقيه القائمة على المذهب الاثني عشريّ الجعفريّ والتي يعبّر عنها المرشد الأعلى الإيرانيّ الذي يمارس دوره في الداخل والمنطقة والعالم عبر قوّات وتنظيمات الحرس الثوريّ ومؤسّساته؟
تحوّل “الحزب” من حزب يتبع ولاية الفقيه إلى حزب يتبع ولاية دستور الطائف، وهو بديل للانتحار الكامل
السؤال: ماذا يفعل “الفرع” إذا عقد “الأصل” صفقة؟ هل يقلّده ويتّبعه أم يتمرّد ويخالف؟ ماذا يحدث لو توقّف الحرس الثوريّ عن التمويل والتسليح والتدريب والدعم وعن تقديم كلّ أشكال الدعم الماليّ؟
نحن على أعتاب مثل هذه الصفقة أو هذه التسوية الإقليميّة، سواء في مفاوضات إيران – الولايات المتّحدة أو في جولات الحوار اللبنانيّ – الإسرائيليّ المقبلة. حيث ستكون عدة إشكاليّات كبرى يجب عدم الاستهانة بها:
هل يقبل “الحزب” تسليم سلاحه للجيش اللبنانيّ ما دامت إسرائيل تسيطر على مرتفعات ومناطق لبنانيّة قد تصل إلى 15 نقطة وعلى عمق في الأراضي اللبنانية يصل إلى مساحة من 7.5 إلى 9 كيلومترات مربّعةً كمنطقة أمنيّة عازلة؟
ماذا سيفعل “الحزب” وقوّاته إذا استمرّت استخبارات الجيش الإسرائيليّ والموساد في تنفيذ عمليّات نوعيّة لتصفية قيادات أمنيّة وعسكريّة منه؟
هل يوافق “الحزب” على نصّ الاتّفاق المقبل الذي يمكن أن تنتهي إليه المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة، وخاصّة إذا حظي هذا الاتّفاق بمباركة ودعم دوليَّين وإقليميَّين وتمّت الموافقة على نصوصه في البرلمان اللبنانيّ؟
حينما يجلس الشيخ نعيم قاسم وحده في غرفة نومه ذات صباح ويحوّل نظره وهو يرتشف الشاي الممزوج بنبات الزعفران ويسأل نفسه: ماذا أنا فاعل بنفسي وحزبي وطائفتي وبلادي في ظلّ هذه المعادلات الجديدة وهذه التغييرات الجذريّة؟
عناصر تفكير قاسم
حتّى نفهم عقليّة نعيم قاسم وقانون الفعل وردّ الفعل الذي يسيطر على قراراته، لا بدّ من الأخذ بالاعتبار عدّة أمور:
إيمانه المطلق والقويّ بدولة الوليّ الفقيه لدرجة أنّه اختلف مع حركة “أمل” التي كانت تنظيماً عام 1979 من أجل دعم مشروع الثورة الخمينيّة.
نقل فكر ولاية الفقيه وتأهيله بشكل نظريّ في “كتاب الجهاد” الصادر عام 2005 الذي ألّفه وتُرجم إلى 6 لغات ويُعتبر المرجع الأهمّ في ما يتعلّق بمنهج وفكر “الحزب”. يعتبر كتاب “حزب الله المنهج، التجربة، المستقبل” البالغ عدد صفحاته 480 أنّ “ولاية الفقيه هي القانون الشرعيّ، ولذلك يتوجّب، حسب الكتاب، على “الحزب” أن يلتزم قرارات المرشد الإيرانيّ في كلّ القرارات الاستراتيجيّة”.
دور الرجل في تأسيس “الحزب” عام 1982 مع 8 من الزملاء ثمّ الانتقال للعمل السريّ حتّى وصل إلى ما يعرف بإعلان “الرسالة المفتوحة”، التي على أساسها انتقل “الحزب” إلى العمل العلنيّ.
تأثير دراسة الكيمياء على تركيبة المعادلات السياسيّة للرجل: نعيم قاسم حاصل على بكالوريوس الكيمياء من الجامعة اللبنانيّة، ثمذ نال منها درجة الماجستير في الكيمياء وجمعها بدراسة العلوم الشرعيّة في الحوزة على يد علماء أهمّهم الشيخ محمّد حسين فضل الله صاحب الفكر التجديديّ والمتنوّر في آن واحد.
المحفّز الجديد
يجعلنا ذلك كلّه نحاول، محاولة وحسب، أن نتصوّر ما هي “المعادلات السياسيّة الكيميائيّة” المطروحة أمام عقل الشيخ:
بالطبع درس نعيم قاسم في مبادئ علم الكيمياء أنّ أيّ نظام كيميائيّ متّزن يتعرّض لتغيير في الضغط والحرارة أو درجة التركيز سوف يقوم “بتعديل نفسه” حتّى يقلّل من “آثار التغيير”. وبالطبع درس الرجل في مبادئ علم الكيمياء أنّ “العامل المحفّز يسرّع أيّ تفاعل كيميائيّ”.
هنا يمكن الرجوع إلى فعل المحفّز البشريّ في المفاوضات مثل دور الزعيم الفيتناميّ “هو شي منه” في مفاوضات باريس لتحرير فيتنام، ودور نيلسون مانديلا في سلام جنوب إفريقيا، وقبول الإمام الخمينيّ “الكأس المرّ” وتوقيع اتّفاق مع العراق.
بالتأكيد يدرك الرجل، الذي يجيد الفرنسيّة والإنكليزيّة ويتابع بدقّة رصد إسرائيل من الداخل والصحف العبريّة، أنّ معادلات العالم والمنطقة بعد وصول دونالد ترامب وضربتَي واشنطن وتل أبيب لإيران، وعمليّات التصفية التي قامت بها إسرائيل لقيادات “الحزب”، وسقوط نظام بشّار الأسد والنظام الأمنيّ السوريّ الذي كان يشكّل عمقاً لـ”الحزب”، وكلّ عناصر “المعادلة الكيميائيّة” من الألف إلى الياء قد تغيّرت وتحتاج إلى محفّز جديد.
هنا نضع المعادلات ، ونعرض هذا التصوّر، على النحو التالي:
أوّلاً: اتّفاق إيرانيّ – أميركيّ يعني بالضرورة تقييد كامل يد “الحزب” العسكريّة.
ثانياً: تحوّل “الحزب” من حزب يتبع ولاية الفقيه إلى حزب يتبع ولاية دستور الطائف، وهو بديل للانتحار الكامل.
ثالثاً: لا إعمار للبنان ولا إعمار للجنوب ولا عودة للنازحين من الطائفة الشيعيّة الكريمة إلى بيوتهم من دون دخول “الحزب” في سلطة الدولة أمنيّاً وسياسيّاً وعسكريّاً.
رابعاً: لا بنك دوليّاً، ولا استثمارات، ولا دعم عربيّاً ولا منح وهبات، ولا استثمارات خاصّة، ولا عودة مغتربين، ولا دعم ماليّاً للجيش، ولا مؤتمرات لدعم الاقتصاد اللبنانيّ من دون تسليم “الحزب” سلاحه إلى الدولة.
القرار الأصعب
هنا سوف يُطلب من نعيم قاسم القرار الأصعب في تاريخ مستقبل “الحزب”، وهو أن يتحوّل من حزب إيرانيّ إلى حزب لبنانيّ، أي أن يصبح “الحزب” الذي بدأ تأسيسه عام 1982 حزباً مغايراً تماماً في 2026!
ليذكر الرجل وهو يقرأ هذه الأيّام مقولة “سون تزو” في كتابه “فنّ الحرب” الذي كتبه عام 500 قبل الميلاد: “أعظم انتصار هو أن تُخضع العدوّ من دون قتال أو دمار”.