عندما طلب مني ان اتحدث اليكم ، فكّرت ملياً بما سأحدّثكم في هذه الامسية ، ورأيت ان العفوية افضل من التأليف ، واظن انكم جميعاً تشاطرونني الحس العميق بأن هموم البلاد، ربما لأول مرة منذ عهد الاستقلال ، تطرح نفسها بشكل شامل وجذري على جميع اللبنانيين ، أكانوا معارضين لهذا الرأي، ام كانوا مؤيدين لذاك الرأي . ولأول مرة الهموم واحدة ، في المعنى الصحيح للكلمة، لاننا نشعر جميعاً بأن ما يجري هو كالولادة القسرية لدولة جديدة ، وربما لشعب جديد في لبنان ، لذا فضّلت ان اضع بحثي على هذا الحديث البسيط هذه الليلة ضمن اطار هذه الهموم ، لان من لا هم له لا عقل له ، في المعنى الصائب للكلمة ، فعلينا واجب الالتزام الواعي بكل ما نصبو اليه، او تصبو اليه الجماهير، من خلال قادتها المخلصين ، نحو تبلور صورة جديدة للبنان ، وكأننا ، كما قلت ، على عهد يشارف على نهاية شكل من اشكال لبنان القديم ، ويؤذن بولادة لبنان الجديد.
كنت اذكر، وانا في طريقي اليكم ، ان الشعوب التي لا تقبل التطور ، على طريقة بعض دول شمالي اوروبا ، على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، لابد لها ان تعاني مخاض الالم ، فتجرّب بلون او بآخر الواناً في التمرد الشعبي على شاكلة “ثورة 1789” الفرنسية ، اذ ان التطور بحد ذاته يقاوم التحجر. فمن يريد البقاء ضمن هذا الغلاف الكلسي للانظمة، للتقاليد، للمفاهيم ، لابد ان يأتي خيار الحياة فيمزّق هذه القوالب ، تماماُ كما يخرج صغار الطير من البيض بعد ان يكسر الغلاف الكلسي للبيوض الحاجزة لارواح الحياة المنتفضة النامية في احجام صغيرة .
لبنان في الحقيقة يعاني مرض التكلس في عدم قدرتنا، او في محافظتنا، في الحري على الانظمة والتقاليد. ولكن هذا لا يلغي ان معركة المصير مطروحة امامنا، خاصة بعد ان تمزّق الحجاب عما يسمونه التقليديون في لبنان بالوحدة الوطنية ، بالتعايش المشترك ، وبالحقيقة ، لم يكن يوجد لا وحدة وطنية ولا تعايش مشترك. ففي الحقيقة ، يوجد في لبنان لون من الوان التكاذب المشترك الذي يخفي شتّى العصبيات ، والانطواءات النفسية ، وكأن كل فرد من الناس يعيش مع فرد آخر ، يكلّمه بلغة ويشعر ويفكّر بلغة اخرى . هذه الازدواجية اللبنانية كانت احدى مصائب هذا الوطن.
يجب ان نعبر من الازدواجية الى الوحدة الفكرية ، على الصعيد الوطني ، وعلى الصعيد القومي ، وعلى الصعيد السياسي.
(المرجع: من محضرة للمعلم كمال جنبلاط في بلدة عرمتى – الجنوب في 13 ايلول سنة 1975، وردت في الصفحة 68 من كتابه “في مراقي الامم”)