وصف الرئيس دونالد ترامب لبنان بأنّه “بلد رائع وشعبه كذلك وسنحاول إعادته إلى مكانته”. لكنّ سيّد البيت الأبيض صرّح سابقاً: “هناك أنبياء قالوا إنّ نهاية العالم…

 

يجد لبنان نفسه بعد اتّفاق غزّة أمام تحدّيات جمّة تتمثّل بشكل رئيس في السباق بين الجهود الدبلوماسيّة والتصعيد العسكريّ على نطاق أوسع، وسط مؤشّرات متزايدة إلى عمل عسكريّ إسرائيليّ وشيك ضدّ “الحزب” بعد إخفاق الدولة اللبنانيّة في تحقيق مبدأ “حصريّة السلاح”.

 

يبدو بوضوح أنّ الجهد السعوديّ (المدعوم أميركيّاً وفرنسيّاً وعربيّاً) باتّجاه إعادة بناء مؤسّسات الدولة اللبنانيّة وإعلائها مع انتخاب جوزف عون رئيساً للجمهوريّة، وتأليف حكومة نوّاف سلام، لم يُترجم بخطوات عمليّة على صعيدَي تحقيق السيادة (بشقّيها الداخليّ والخارجيّ) والإصلاح، وانعكست خطورة تضييع الفرصة الذهبيّة والمماطلة أو عدم القدرة على تنفيذ قرار 5–7 آب الماضي على مجمل النظرة إلى السلطة اللبنانية من قبل كبار اللاعبين الدوليّين، وعلى رأسهم الولايات المتّحدة. لذلك سيتوقّف الوضع في الأسابيع والأشهر المقبلة في الكثير من الجوانب على المقاربة الأميركيّة وتفاعل لبنان الرسميّ معها.

 

تضخِّم إسرائيل خشيتها من حدوث “7 أكتوبر لبناني” نتيجة ترميم “الحزب” لقدراته، ويشتدّ الخناق على لبنان أواخر عام 2025 وسط انسداد داخليّ من جهة، ومخاطر عودة الحرب مع إسرائيل من جهة أخرى

سياقات الموقف الأميركيّ

 

منذ ما بعد “تعثّر لبنان الاقتصاديّ” في 2019، تركّزت أولويّات واشنطن على التنبّه لأوضاع الجيش اللبناني والمصرف المركزي كي تضمن حفظ مصالحها في سياق سياستها الإقليميّة.

 

مع التوصّل إلى اتّفاق وقف الأعمال القتاليّة في السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024، رأست الولايات المتّحدة آليّة (الميكانيزم) الرقابة، وتابعت عن كثب إعادة تشكيل السلطة في لبنان. في حقبة الموفد آموس هوكستين (إدارة الرئيس جو بايدن) جرى إبرام اتّفاق الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل، لكن لم تتمكّن واشنطن من استثماره لمصلحة وجهة نظرها في فرض واقع أمنيّ وسياسيّ جديد على حدود إسرائيل الشماليّة، نظراً لانعكاسات حدث السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل ومبادرة “الحزب” إلى إطلاق حرب إسناد غزّة في 8 تشرين الأوّل 2023.

 

تبعاً لتغيير الواقع الميدانيّ وتقليص قدرات “الحزب”، راهنت واشنطن على قيام العهد اللبنانيّ الجديد بخطوات حثيثة للعودة إلى زمن الدولة وبدء ورشة إصلاحات حقيقيّة. وتبعاً لعرقلة التوجّهات السياديّة والإصلاحيّة، وتفضيل أطراف رئيسة في بيروت الحفاظ على الوضع القائم، لم تكن مستغرَبة ردّة الفعل الأميركيّة على لسان الموفد توم بارّاك بأنّ لبنان أصبح “دولة فاشلة”، وأنّه “بات الدولة الوحيدة التي ترعى منظّمة إرهابيّة أجنبيّة كجزء أساسيّ من قيادتها”.

 

يصحّ التساؤل عن دوافع “الحنق” الأميركيّ من الفريق الحاكم في لبنان (وصف بارّاك بصفاقة الرؤساء الثلاثة بأنّهم ديناصورات من زمن آخر)، على عكس التعامل المنفتح والمتفاهم مع القيادة السوريّة الجديدة، مع الإشارة إلى أنّ هناك مسؤوليّة أميركيّة ودوليّة في وصول لبنان إلى وضعه الحاليّ.

 

على صعيد أشمل، لم تنظر واشنطن يوماً إلى لبنان باعتباره ملفّاً مستقلّاً، بل من خلال النظرة إلى الإقليم وأولويّة حماية إسرائيل. بيد أنّ الرجوع إلى القانون الدوليّ يصادق على المنظور الأميركيّ، إذ إنّ الفشل لدولةٍ ما يتمثّل بعدم قدرة الحكومة المركزيّة فيها على احتكار قرار الحرب والسلم، وضمان سلامة السكّان والملاءة الاقتصاديّة.

 

منذ ما بعد “تعثّر لبنان الاقتصاديّ” في 2019، تركّزت أولويّات واشنطن على التنبّه لأوضاع الجيش اللبناني والمصرف المركزي كي تضمن حفظ مصالحها

ينطوي الكلام الأميركيّ على تهديد واضح بمنح إسرائيل الضوء الأخضر من دون قيود في لبنان. ومن الواضح أنّ فريق ترامب “الديناميكيّ” من غزّة إلى المغرب العربيّ، مع نجاحاته، لا يبدو أنّه سيتسامح مع الفشل في لبنان.

 

لبنان والشّرق الأوسط الجديد

 

لا يمكن الفصل بين المقاربة الأميركيّة للبنان والتغيير الجاري ضمن المنطقة. فقد انتهز الجانب الإسرائيليّ انتكاسة السابع من أكتوبر كي يغيّر الواقع الاستراتيجيّ الإقليميّ لمصلحته. بدأ بنيامين نتنياهو العمل من أجل “الشرق الأوسط الجديد” إبّان إدارة جو بايدن، لكنّ عودة صديقه دونالد ترامب إلى البيت الأبيض سهّلت مهمّته.

 

بعد مرور عامين على 7 أكتوبر (تشرين الأول)، وازدياد المشهد تعقيداً، أخذ ترامب يخشى على “الاتّفاقات الإبراهيميّة” بسبب اندفاع نتنياهو. ولذلك قرّر سيّد البيت الأبيض أن يُسهم على طريقته في صياغة “الشرق الأوسط الجديد”، إذ سعى جاهداً إلى احتواء نتنياهو، معلناً خطّةً من 20 نقطة لإنهاء حرب غزّة وتتضمّن رؤيته للمنطقة، مراهناً على إنقاذ الاتّفاقات التي تمثّل إنجازه في ولايته الأولى.

 

في مرحلة ما بعد اتّفاق غزّة، تراهن الإدارة الأميركيّة على انضمام سوريا ولبنان إلى قطار السلام، على الأقلّ من خلال اتّفاقات أمنيّة ملزمة. وبينما تبدو درب دمشق سالكة في هذا الاتّجاه، يمكن للوضع اللبنانيّ أن يتمخّض إمّا عن مواجهة جديدة وإمّا الاتّجاه نحو التفاوض. واللافت هنا أنّ واشنطن تريد استبعاد الأمم المتّحدة وفرنسا على الرغم من عضويّة الطرفين في “ميكانيزم” وقف القتال، ولهذا الاستبعاد دلالة على تقاطع أميركيّ–إسرائيليّ.

 

 

يتطابق الموقف العربيّ إجمالاً مع الرؤية الأميركيّة، خاصّة أنّ دول مجلس التعاون الخليجيّ، تحت قيادة المملكة العربيّة السعوديّة، وعدت بخطّة طموحة قيمتها عشرة مليارات دولار لإعادة الإعمار وتعويم الاقتصاد في لبنان إذا نفّذت الدولة ما التزمت به من حصر للسلاح. وفي هذا الإطار، أتت المبادرة المصريّة، أواخر تشرين الأوّل، عبر زيارة مدير الاستخبارات العامّة اللواء حسن رشاد لبيروت، وطرحه ضرورة بدء التفاوض مع إسرائيل، لأنّ لبنان يمكن أن يستخدم “ترسانة “الحزب” الباقية” ورقة مساومة، بينما اندلاع المواجهة يمكن أن يبدّد أيّ ورقة تفاوضيّة لدى بيروت.

 

تضخِّم إسرائيل خشيتها من حدوث “7 أكتوبر لبناني” نتيجة ترميم “الحزب” لقدراته، ويشتدّ الخناق على لبنان أواخر عام 2025 وسط انسداد داخليّ من جهة، ومخاطر عودة الحرب مع إسرائيل من جهة أخرى. ولذلك غياب الوساطة الأميركيّة سيضع لبنان في عين العاصفة من دون رقيب.