أكثر من ثلاثين عاماً مرت بين العام 1969 و2005 ولبنان يعاني من تداعيات الحروب والانقسامات والانهيارات والأطماع والوصايات. فبحكم موقعه الجغرافي ونظامه التعددي وتركيبه السكاني واجه لبنان سلسلة متواصلة من المحاولات الضاغطة والتدخلات المهيمنة اتته ولا زال يتعرض لها من كل الجهات المحيطة به . وما سهل هذه المحاولات انفتاح لبنان ونظامه الديمقراطي الذي سمح بقيام أحزاب متنوعة ومتعددة بعضها طابعه داخلي وتركيبته طائفية ومذهبية وبعضها الآخر عقائدي ينتسب إلى تيارات إقليمية قومية الطابع أو دينية مذهبية أو عرقية متباينة ومتنازعة على أرض لبنان على حساب أمنه وسلامة شعبه، لها ارتباطات مع أطراف إقليمية أو دولية لكل منها أطماع متناقضة تتصارع على لبنان وتستغل فئات لبنانية تقدم الولاء والتبعية لها على الولاء للوطن ونتيجة لكل ذلك تحول لبنان الوطن إلى لبنان الساحات والصراعات وكان لهذه الصراعات تداعياتها الخطيرة المهددة للدولة والكيان . انقسامات ومنازعات واستجلاب تدخلات والوقوع تحت وطأة الوصايات التي شرذمت اللبنانيين وعطلت السلطات وشلت الإدارات والمؤسسات ونشطت تشكيل الميليشيات المسلحة المتنافرة والمتقاتلة. فبعد اتفاقية القاهرة التي شرعت السلاح الفلسطيني في لبنان بحجة مقاومة إسرائيل وتحرير فلسطين ارتكبت أخطاء لبنانية وفلسطينية ومناوشات تحولت سنة 1975 إلى حرب مدمرة ذات أبعاد طائفية وفئوية وأبعاد إقليمية وضغوطات دولية متضاربة استجلبت تدخلات عسكرية واحتلالات نتج عنها انهيار السلطة اللبنانية وتحكم الميليشيات المسلحة المدعومة من أطراف خارجية في المشهد اللبناني ويسقط نتيجة لذلك عشرات آلاف الشهداء من مختلف الأطراف ولم يتوقف التفكك والانهيارات إلا بالضغط العربي الذي توج بمؤتمر الطائف الذي توافق النواب اللبنانيون فيه على الخروج من المحنة والعودة إلى لبننة الوضع والعمل لإقامة الدولة القادرة والجامعة ذات الطابع المدني المتجاوز للطائفية السياسية وتحقيق ذلك على مراحل.
هذا الأمل سرعان ما تبدد عندما أرضخ لبنان على أن يتحول إلى ساحة من جديد لجبهة الصمود والتصدي الذي يقوده النظام السوري الذي أوكلت إليه الوصاية على لبنان وتقاسم النفوذ عليه مع إسرائيل التي تحتل القسم الجنوبي من لبنان وسوريا سائر المناطق . فرض الجيش السوري على عدد من الميليشيات نزع سلاحها وترك بعضها الآخر ممسكة بسلاحها بحجة مقاومة لتحرير المناطق اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وتحرير فلسطين . تحكمت الوصاية السورية بقرارات إدارة شؤون السلطة في لبنان شجعت بعض الفئات على احتكار السلطة وضايقت على الفئات الأخرى وعزلتها لإضعافها واغتيال زعمائها أو سجنهم أو نفيهم وكان آخرها اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري الذي فجّر ثورة الأرز وأجبر النظام السوري على سحب جيشه من لبنان والتحرر من الوصاية السورية.
ومن جديد استطاعت فئات لبنانية موالية للنظام السوري ومدعومة من النظام الإيراني أن تقيم تحالفات ثنائية مع فئات لبنانية معادية أصلا لها على أساس تمكينها من الاستئثار بالسلطة مقابل تأمينها وتشريعها لتفردها بحمل السلاح تحت شعار “شعب وجيش ومقاومة ” فتحول لبنان من جديد إلى ساحة وجزء من محور سمي محور المقاومة التي تديره إيران وحرسها الثوري ويشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن وحماس في غزة . ورفع شعار “الموت لأمريكا والموت لإسرائيل” فردت بحرب 2006 التي دمرت لبنان وفاقمت الانقسامات والانهيارات والمنازعات وشل السلطات وتعطيل المؤسسات والإدارات هذا النهج كانت له تداعيات بالغة الخطورة على الأوضاع الداخلية في لبنان الذي دخل في سلسلة متواصلة من الانهيارات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والمعيشية والانقسامات السياسية والمذهبية التي عطلت السلطات وأصابت الحكومات بالشلل والمؤسسات والإدارات بانتشار الفساد والعجز عن الإنجازات وما رافق ذلك من اغتيالات وتعرض لبنان للعدوان الإسرائيلي المدمر في العام 2006.
واليوم في العام 2025 بعد قيام عهد جديد وحكم جديد واعد باعادة بناء الدولة المدنية العادلة والجامعة التي تحتكر قرارات الحرب والسلم وحصرية السلاح بمؤسساتها الشرعية من جيش وأجهزة أمنية . على ضوء فشل السلاح الفئوي عن الحماية من العدوان ومنع التدمير والاحتلال بات المطلوب من الجميع على اختلاف فئاتهم ومواقفهم السابقة التعقّل والتبصّر والخروج من منطق الساحات والمحاور والولاءات الخارجية والالتفاف الوطني الصادق لدعم الشرعية ومؤسساتها وإداراتها لتمكينها من الإنطلاق في مسيرة الإصلاح والإنقاذ وإعادة بناء الدولة التي وحدها تملك القدرة والواجب الوطني لإخراج لبنان من مختلف المحن التي يعاني منها وإعادة بناء الثقة في الداخل وحسن العلاقات مع الخارج العربي والدولي التي لبنان بأمس الحاجة لها للحماية من العدوان وإعادة البنيان والإعمار والازدهار.