يواجه لبنان في مطلع هذا العام واحداً من أخطر مواجهاته منذ تأسيس الدولة اللبنانية . فالتهديدات الإسرائيلية تتصاعد ، واستباحة الأجواء اللبنانية تتوسع ، والإجتياح البّري المدمّر تتم الإستعدادات له بعد أجتماع ترامب ونتنياهو فيما تواجه دول المنطقة إضطرابات غير مسبوقة ومجهولة النتائج ، وتشغلها عن الإهتمام بما يتعرض له لبنان .وهذا يعني ان الأمور في وطن الأرز باتت لا تحتمل الحسابات الخاطئة والمغامرات المرتفعة الكلفة . فالتحدي بات وجودياً ، ويمسّ جوهر الكيان وحدود الدولة ، وحدة القرار والمصير ، والعجز في تامين الحماية الوطنية في مواجهة أخطار تتعاظم ، ولا يمكن مواجهتها في مواصلة تغييب منطق الدولة والتمسك بمنطق الساحات والمحاور المفتوحة على كل شيء رغم العجز عن الإنتصار وضمان الحماية البديلة.
والمدخل الإلزامي لأية مقاربة ناجحة تبعد الخطر الوجودي يبدأ بإعادة الإعتبار الصريح ، والصادق للمصلحة الوطنية العليا ، وتقديمها على ايى اعتبارات اخرى ، وارتباطات خارجية إقليمية او دولية ، وحسابات اقليمية محورية ، ورهانات تتجاوز قدرة لبنان على الإحتمال ، فالمخاطر المحدقة لا يمكن التعامل معها بوعود كلامية وخطابات تعبوية شعبوية لأن كلفة أي خطأ في الحسابات والتوقعات والتقدير لموازين القوى ستكون قاتلة على اللبنانيين جميعاً دون استثناء. وحده الإحتكام الى مفهوم الدولة الحامية لجميع مواطنيها بوحدة قرارها ومؤسساتها الشرعية قادر على توفير شبكة الأمان الوطنية في مواجهة مختلف التهديدات العسكرية والسياسية والإقتصادية والمالية التي تتقاطع على الساحة البناينة.
وكأن لبنان لا يكفيه ما يتعرض له من حدوده الجنوبية ، فالأمور على الحدود الشرقية والشمالية ليست على ما يرام والغيوم تتلبد مهددة بالأسوأ. فرغم تبدّل النظام في سوريا ، وقيام عهد جديد في لبنان ،ورغبتهما المشتركة بإقامة أفضل العلاقات بين الدولتين بمعوقات كثيرة وتحتاج الى جهود جبارة لتجاوزها . فالنظام الأسدي ألحق ضرراً كبيراً أكيداً بلبنان تمثل بتهجير ملايين السوريين الى لبنان هرباً من القتل والتدمير على يد النظام الأسدي. تلا ذلك استباحة الحدود امام عصابات التهريب وتجارة المخدرات وممارسة الإغتيالات ، مستفيداً من وقوف فئة من اللبنانيين الى جانبه لمساندته في حربه ضد شعبه . فمع سقوط النظام الأسدي شعرت هذه الفئة نفسها امام تحدّ مزدوج. تراجع الردع وتآكل القوة واانقطاع طرق الإمداد أمام الغطرسة الإسرائيلية المدعومةاميركياً ، وإمكانية اقدام النظام الجديد في سوريا على الإنتقام . فلجأت الى سردية الخوف لتبرير تمسّكها بالسلاح بحجة الدفاع عن النفس من اجتياح لضرب الطائفة الشيعية في لبنان.
لكن المفارقة أن ما يحدث على الأرض يظهر العكس ، فالبقاع لم يتحوّل الى خط دفاع في مواجهة الخطر السوري ، بل تحوّل الى ملاذ آمن لفلول نظام الأسد ، الذين باشروا تنظيم صفوفهم والتسلح ثم التسلل من جديد الى الداخل السوري ، وخاصة الى منطقة الأقلية العلوية بدعم من الجهات التي كانت حليفة النظام الأسدي. إن خطر ما يحصل لا يقتصر على الداخل السوري بل يضع لبنان في قلب ازمة متصاعدة مع النظام السوري الجديد ، ويفتح باب التوتر السياسي والأمني والحدودي ، ويعرقل محاولات تنظيم العلاقات وحلّ المشكلات العالقة بين البلدين ، من ضبط الحدود ومنع التهريب ومرور السلاح وتجارة المخدرات الى ترسيم الحدود وحلّ مشكلتي النزوح والسجناء.
إن مواجهة المخاطر الخارجية تستدعي إعادة بناء الدولة السيدّة الحرّة الممسكة بوحدة القرار والسلاح والأمن والرعاية ، لتتمكن من تأمين الحماية والدفاع عن الكيان.
هذا ما توقعه اللبنانيون في مطلع العام 2025 ، بعد قيام العهد الجديد والحكومة الجديدة . ولكن هذا تعذّر تحقيقه وما زال لبنان في مطلع العام 2026 يعاني ، والوعود بالإنقاذ والإصلاح تتعثر. والسبب الأساسي لذلك هو الإنقسام المستمر بين المكوّنات السياسية اللبنانية والمماحكات والعرقلات المتبادلة والتعطيل المتمادي للحلول المطروحة للإنقاذ والإصلاح ، والتمسك بتقديم المصالح الفئوية والحزبية ، والطائفية ، وخدمة المشاريع الخارجية الإقليمية والدولية على حساب المصالح الوطنية والإلتفاف حول مشروع الدولة : الحلول السياسية متعذرة ، والمشاريع الإصلاحية مجمّدة ، والمجلس النيابي معطل ، والمحاسبة مكبّلة ، الكلّ يرمي اللوم على الكلّ والنتيجة واحدة: إفشال العهد ومنع اعادة بناء الدولة، وشلّ القدرة على مواجهة المخاطر الداهمة . والأكثر غرابة ، مواصلة الأطراف السياسية ذاتها مطالبة السلطة التنفيذية رئاسة وحكومة بتحقيق الإنقاذ والإصلاح والتصدي للمخاطر، فيما هم من يضع العصي في دواليب السلطة لمنعها من القيام بالمهام المطلوبة منها على خطورتها . فهل من اعجوبة ممكنة تسمح بإعادة تحريك دواليب الدولة ، أم أن القضية هي فالج لا تعالج . حمى الله لبنان وألهم قادته صحوة ضمير مطلوبة بإلحاح قبل فوات الأوان ؟