في مئوية لبنان، الدولة والدستور والمؤسسات، الكيان يرزح ويئن. وكأن المئة عام انهكته لا بل استنزفت طاقاته فاصبح هيكلاً تآكلته الخلافات والحروب كما السلم والاتفاقات والصفقات.
لبنان المنهوب، لم يلفظ انفاسه الا لحين. وبين الازمة والازمة مساحات من الابداع والتألق رسمت باقلام شعب ابى الاستسلام فكان في كل مرة يعاود بناء وطن افضل.
ولكن اليوم بعد 100 عام، وبدل ان يحتفل اللبنانيون بدولة مدنية حضارية مزدهرة، تلف العتمة والبرد والعوز والجوع المنازل فيما النهب الممنهج طال الماضي والحاضر والمستقبل.
ولعل الاخطر من الانهيار المالي، ما يتهدد لبنان بسرقة ما تبقى من مقومات للدولة: الاحتياطي بالعملات الاجنبية والذهب في مصرف لبنان.
نخرت المحاصصات السياسية هيكل الدولة، فساد الفساد والهدر.
95 مليار دولار حجم الدين الذي راكمته السلطة السياسية الحاكمة في فترة ما بعد الحرب.
45 مليار دولار هو حجم الاموال التي صرفت على مؤسسة كهرباء لبنان.
فيما القطاع العام منتفخ لحد الانفجار من حجم التوظيف الذي لا نبالغ ان قلنا اكثر من نصفه سياسي.
فالدولة تدفع شهريا حدود 880 مليار ليرة على رواتب واجور 360 الف موظف فيما الحاجة الفعلية لا تتعدي 200 الف موظف (بمن فيهم القوى الامنية)
والى حجم الدولة، ومعضلة كهرباء لبنان، المليارات مهدورة في سوء ادارة الاتصالات ومرافئ الدولة ومرافقها ومجالسها.
والدولة اولا هي الشعب واموالها من تعبه وانتاجه وناتجه ومع سرقة اموال الدولة نهبت اموال الشعب.
في مئوية لبنان فقدت الليرة اللبنانية 85% من قيمتها ومهددة بمزيد من التراجع.
في مئوية لبنان ، قررت الدولة الهروب من مسؤولياتها، فتخلفت عن سدادا التراماتها وحجزت اموال اللبنانيين في المصارف بقوة الامر الواقع ولكن مهلا، فالتعثر الى حد السقوط الحر دون اي اجراء اصلاحي يطرح الكثير من التساؤلات.
فهل من يدفع بلبنان الى السقوط الحر؟
تتجه الحكومة المستقيلة التي فشلت بادارة اي ملف فيما لبنان يواجه ازمة ثلاثية اقتصادية ونقدية ومالية الى القضاء على ما تبقى من احتياطي نقدي في مصرف لبنان.
يوم اتخذت الحكومة بمرجعياتها السياسية المعروفة، قرارعدم سداد دينها البالغ يومها 1.2 مليار دولار(في اذار من عام 2020) الى المقترضين حفاظا على اموال اللبنانيين،اتخذت يومها قرار تبديد اموال اللبنانين. فان كانت تدري ما تفعل فهي مشكلة وان كانت لا تدري فالمشكلة اكبر.
وبالفعل بددت الحكومة ومن خلفها اكثر من 7 مليار دولار من اموال اللبنانيين لدعم اساسيات الحياة اليومية من محروقات وقوت وطحين ودواء. وبعد 16 شهراً من الفشل المستمر، تستسهل الحكومة المستقيلة القضاء على لبنان الدولة عبر وضع يدها على آخر فلس يضمن قيمة الليرة ومعها قيمة لبنان.
وفيما تعزز الدول الكبيرة والمتقدمة كما الناشئة احتياطياتها بالعملات النقدية وخاصة بالذهب كما الهند والامارات وسويسرا يتجه لبنان الى تبديد احتياطه على دعم غير منتج فيضرب آخر مدماك في مستقبل لبنان النقدي والاقتصادي.
فالليرة اللبنانية لطالما استمدت قيمتها من احتياطي الذهب اولا واليوم ومع خسارة 80% من قيمتها امام الدولار، تسييل الذهب قد يدفع بالليرة الى خسارة تصل مئات المرات من قيمتها والاخطر ان تبديد الاحتياطي سيحد من قدرة لبنان على معاودة بناء مؤسساته وقطاعاته فيصبح اسير الفقر والعوز لسنوات طويلة.
وتعود بذلك موجات الهجرة التي عرفها لبنان سابقاً لتسرق المهارات والقدرات والادمغة فيفرغ لبنان من طاقاته البشرية كما المادية فيصبح ساحة سهلة لمن خطط على التمدد والسيطرة عبر مؤسسات الدولة على لبنان.
فالنهب المستمر دون حساب ليس بصدفة. المؤشرات في السنوات الاخيرة كانت دليلا قويا على انهيار آتٍ لا محال.
ولولا مؤتمرا باريس1 و2 و3 لما كان لبنان استطاع القيام من كبواته الاقتصادية التي تسبب بها نظام يسهل الهدر والفساد والاسترباح من مؤسسات الدولة.
ولعل عجز ميزان المدفوعات في السنوات العشر الاخيرة دليلا قوياً ايضا على انهيار اصبح قريب.
فمنذ العام 2006 وحتى 2010 سجل ميزان المدفوعات فوائض بلغت 7.9 مليار دولار
وانما وبتدهور سريع وواضح وملوظ ومع بدء الحرب السورية تبدلت الصورة دراماتيكياً
فانتقل ميزان المدفوعات الى تسجيل عجوزات سنوية متتالية بلغت 1.9 مليار دولار عام 2011 واشتدت عام 2018 لتصل الى 5.1 مليار دولارما شكل استنزافا ولسنوات لدولارات لبنان في مؤشرٍ واضح على تكون ازمة نقدية ومالية.
فلماذا بقيت الحلول معرقلة؟
لبنان امام ازمة وجودية في مئويته الحزينة. فالدولة تنهاروالحلول ممنوعة ومن دفع بلبنان الى الانهيار يدفع اليوم الى محو اعوام مقبلة من تاريخ دولة تمتلك كل مقومات النجاح واختارت الفشل.
فما بين المحاصصة لبعض الاحزاب، والمخططات والتبعيات السياسية للاحزاب الاخرى، لبنان امام مفترق طرقٍ وتهديد جدي بتتغير هويته القائمة على الحرية والعدالة والاستقلال.
جيسي طراد قسطون – صحافية واستاذة جامعية