“من المؤسف انه ما من احد حتى الساعة عرف كيف يحكم لبنان ، وان يقضي نهائياً على الخيانات والمؤامرات بقضائه على الفساد والافساد في الادارة ، في الصحافة ، في مجال السياسة ، وفي مجالات الاحتكار والاستثمار البشع ، وكأن ما من احد يدرك روعة هذه الاية الحكمية الهندية وجدواها: عدل السلطان انفع للرعية من خصب الزمان، اذا لحمله الناس على رؤوسهم ، ووضعوه في موضع السواد من عيونهم، وكانوا له اوفياء يجعلونه حبيب عقولهم ، واسطورة خاطرهم.

من لنا بحاكم يريد ان يكون قدوة ومثالاً، لا اداة للتسوية وحيرة قائمة بين الجور والعدل، والفضيلة والفساد، يداوي الاشخاص والاشياء بدواوين العتاد من تسوس سياسة ابناء هذا الزمان؟!”

(المرجع: مقال لكمال جنبلاط نشرته جريدة الانباء بتاريخ 18/3/1967)

متابعتنا للاحداث في لبنان خلال هذا الشهر ، تستدعي العودة الى فكر ورؤى المعلم كمال جنبلاط الذي اغتالته يدر الغدر في السادس عشر من آذار 1977 ، لنستنير وان نحاول ننير عقول من يريد من ارباب الحكم والسياسة ان يعتبر، ويقرر ان يتجاوز كل الاعتبارات الخاصة ، للعمل بدوافع وطنية سامية بهدف انقاذ الوطن والمواطنين من المعاناة والمهالك ، والسير في نهج الاصلاح والتطوير لتحقيق الازدهار.

وعلى هذا الاساس، والامل بحصول الاعجوبة ، نسمح لأنفسنا اعتماد الصراحة الصادقة التي اخذناها عن المعلم الشهيد ، ونطالب ارباب الحكم والسياسة في لبنان التبصر والاجابة عن الاسئلة الملحة التي تتردد اكثر فأكثر على الالسنة في الداخل وفي الخارج مع تفاقم التدهور الحاصل : الم تكتفوا بعد من ممارسة سياسة شد الحبال والرقص على حافة الهاوية ؟ الى متى ستواصلون التراشق ولعبة الروليت الروسية في المناكفات والتطلع الى انتصارات وهمية ، وتسجيل نقاط غلبة على بعضكم البعض ولبنان يحترق؟ هل ما تمارسونه من تعطيل متبادل لأمور البلد ينبع من ارادتكم الذاتية، ام موحى به لكم من اطراف خارجية تخدم مصالح بلدانها على مصالح بلدكم ؟ هل صمّت آذانكم عن سماع انين المرضى والمحتاجين والمحطمين نفسياً؟ هل تدركون كم هي قاسية على اللبنانيين ومدمرة سياساتكم التي ادخلت لبنان في دهاليز الشغور الرئاسي والشلل الحكومي والاداري والفشل النيابي ، مع ما يترتب عليه ذلك من معاناة شاملة في كل المجالات ، وعلى كل المستويات في السياسة والحكم والقضاء والمال والاقتصاد والتعليم والصحة ، ومختلف متطلبات العيش في لبنان ؟ هل تتبصرون لتعرفوا اي مصير ينتظره لبنان بسبب سياساتكم، بعد ان هجّرتم شبابه المفترض فيهم ادارة شؤونه في المستقبل القريب ؟

هذه الاسئلة المحرجة والكثير غيرها تطرح عليكم على امل ان تحرك في وجدانكم يقظة ضمير وطنية ، فتحصل الاعجوبة التي تقودكم الى التخلي ، ولو مؤقتاً عن انانيتكم وطموحاتكم ومصالحكم الشخصية ، او العائلية او الحزبية، او الطائفية او المحورية ، والاندفاع الصادق للقيام بعمل انقاذي للوطن والمواطنين ولكم بالتأكيد فتنجزوا الاستحقاق الرئاسي، والتشكيل الحكومي والتحريك النيابي وادارة عجلة الحكم ، والعمل في الادارات والمؤسسات والقضاء. الجميع يتطلع اليكم ، ويترقب ويده على قلبه خوفاً من ان تكذبه التصرفات، ويصحو من الحلم الجميل على واقع مأساوي قاتل للوطن والمواطن. الخيار لكم ، والمسؤولية على عاتقكم، والتاريخ سيحكم لكم ام عليكم .

وقبل ان نترككم امام فحص ضمائركم، نأمل منكم ان تفكروا بهذا الكلام الذي اورده المعلم كمال جنبلاط في مقال كتبه تحت عنوان “النذير الاخير” نشرته جريدة الانباء بتاريخ 12/5/1962

“يبدو ان المسؤولين نسوا او تناسوا ان الدولة والادارة خاصة بشكلها الحديث ، هي اضخم ادارة للتحويل والتوجيه وللتفاعل والتأثير عرفها البشر لأجل تحويل تيار الجماعة العددي ودفعه في الاتجاه الصواب ، او كان القصد ان يتبدل الشخص اي الحاكم ، فيحدث انفراج ظاهر وسطحي مؤقت في الرأي العام ، ثم تعود الامور الى ما كانت عليه من التركيز الطائفي والشحن التعصبي، والتسويات المبتذلة، والمناصفات في الحلول ، والتسوية واجبة في كل حال ، ولولا التسوية لما تمكن الناس من العيش مع بعضهم، ولكن يجب ان تعتمد هذه التسوية اسساً تطورية سليمة وطنية خالصة . ولذا علينا في جهدنا السياسي ان نرفع ذهنية الجماهير فوق مستواها ، لا ان نهبط بها الى مستوى هذه الذهنية . ”