ان ما نقصده من هذا البحث هو تبيان بعض العناصر والعوامل التي تفعل فعلها في اساس وفي صميم حياة الكون ، وتوضيح فعلها في تكوين العالم الجديد والانسان الجديد وبالتالي المجتمع الجديد الذي هو ، في نظرنا ، وبالنسبة الى القوى المادية والروحية الهائلة المسخّرة لبنيانه احدى محاولات الطبيعة البشرية الكبرى .

نريد ان نبحث في اعماق الواقع وصميمه حيث تبرز وتتقرر في هذه الساعات الخطيرة من حياة الكون وجهة الفلسفة ومصير العالم ، ومصير الانسان والمجتمع حيث تتوضح رسالة الانسان الجديدة ومعناها، وحيث تتحضر او تستحضر وتتبلور العناصر الاولى للمدنية المقبلة علينا ، المدنية التي هي في النهاية مظهر كامل لوعي الانسان نفسه وامكانياته وامكانيات الوجود.

في رأينا تبرز عدة عوامل هي المسؤولة عن الانقلاب الحاصل في حياة الانسان وفي تكوين المجتمع: الكثافة السكانية ، الكثافة الاجتماعية ، الكثافة الاقتصاية والمعنوية.

من كل ما سبق يظهر لنا بجلاء ان مميزات المجتمع الجديد الذي تتمخض عنه اوضاع الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع في العالم هي التالية :

1- ان هذا المجتمع سيأخذ بفكرة التنظيم والتوجيه الشامل ، فمبادئ الثورة الفرنسية وما اورثته للعالم في السياسة والاقتصاد من تحررية فوضوية ومن فردية تركّزية، تحتضر اليوم وتزول في جميع الدول الغريبة التي كانت مهداً ومشعلاً لهذه المبادئ.

2- مفهوم جديد للأمة وبالتالي للدولة. فالأمة لم تعد مجموعة افراد مستقلين فيما بينهم متباينين من حيث الاهداف الشخصية ، تجمعهم فقط فكرة العيش على ارض واحدة ولأهداف واحدة محدودة. ان الامة اليوم كائن عضوي ترتبط اقسامه واجزاؤه بعضها ببعض وكائن منتظم تنسجم فيه وتنتظم الجماعات والهيئات لا الافراد فقط.

3- مفهوم جديد للدولة وللقيادة الصحيحة وللزعامة . ان النظرية القائلة : الدولة هي المحافظة على الامن وعلى العدل، تتقلص امام مفهوم اوسع للدولة : على الدولة اليوم توجيه كل نشاطات الامة والجماعات والافراد العملي والشعبي . وقد اصبحت الدولة في الواقع حقيقة معنوية وشخصية معنوية حقيقية ، لها حقوق وواجبات وتضطلع في جميع حقول الاجتماع والاقتصاد والسياسة بمهام متعددة ومتشابكة واساسية .

4- نظرية جديدة للملكية ولاستثمار موارد الارض.

5- تفهم اوسع واعمق لارتباط الانسان في الارض

6- مفهوم جديد لفكرة المساواة ينقلها من الغوغائية والحسابية الى مفهوم المساواة العضوية الوظائفية

7- الانتقال من الروح الفردية الى الروح الجماعية

(المرجع: من محاضرة له في كلية البنات الاميركية في بيروت في 19/3/1947/ وردت في الصفحة 43 من كتابه “في مراقي الامم”)