ليس من السّهل أن يكتمل شيء في لبنان المحكوم بالبقاء في حالة انتظار ما يعرفه وما لا يعرفه. لا مشروع الدولة. ولا الوطن النهائي المنصوص عنه في مقدّمة الدستور. ولا حتى إدارة اللعبة في قضايا محلّية جدًا قبل الحديث عن المسائل المرتبطة نظريًّا وعمليًّا بما يحدث في المنطقة والعالم. فما حدث في النظام الديمقراطي البرلماني رسميًّا هو ما لم يحدث: برلمان لم يشأ رئيسه عقد جلسة واحدة لإجراء مناقشة عامة في “حرب الإسناد” التي بادر إليها “حزب اللّه” من خارج النظام، ودفع هو والبلد ثمن الاغتيالات والتدمير والتهجير، في حين كانت الحرب موضوع النقاش يوميًا في الكنيست الإسرائيلي وفي الكونغرس الأميركي والمجالس النيابية في أوروبا. لا أحد اعتذر. ولا شيء تغيّر.
وما يحدث اليوم هو تكرار الإصرار الرسميّ على قرار سحب السلاح غير الشرعي الذي اتخذه مجلس الوزراء، وتكرار الإصرار على رفضه من جانب “حزب اللّه” من دون أن يتحرّك أحد. مجرّد سجال ينطبق عليه تعبير عبداللّه القصيمي الشهير: “العرب ظاهرة صوتية”. وكلّما رفع “الحزب” الصوت بالرفض للتعاون مع الجيش شمال الليطاني لاحقه سؤال: هل تعاون معه بالفعل جنوب الليطاني؟ وما الذي تقصفه إسرائيل في الاعتداءات اليومية على الجنوب؟ لا شيء يكتمل.
والمسلسل طويل. حصرية السلاح في يد الدولة لم تكتمل بعد. ولا أحد يعرف متى تكتمل وكيف وإن كان الاكتمال واردًا. حرب إسرائيل لم تكتمل، والتهديد بحرب جديدة سيبقى محكومًا بألا يكتمل. حصرية قرار الحرب والسلم في يد الدولة لم تكتمل بعد. فالشيخ نعيم قاسم يعلن أن “حزب اللّه” ليس “على الحياد” في حرب أميرکیة علی إیران، وبالتالي فإنه لم يسلّم الدولة قرار الحرب والسلم أو أقلّه لا يزال شريكًا في موضوع لا يقبل المشاركة لأن الحصرية هنا تكون كاملة أو لا تكون. والواقع أن الدولة أعلنت بوضوح أنها لا تريد الحرب، ولا تستطيع الذهاب إلى السلام في الظروف الحالية. و “حزب اللّه” المتمسّك بقرار الحرب، وسط الامتناع عن الردّ على الاعتداءات الإسرائيلية، يختصر دوره بالقدرة على تبادل “الإيلام” مع العدو. لكن أية مقاومة تحتاج إلى تحقيق هدف لا إلی مجرد إيلام العدو وتحمل ضربات شديدة كالتي لحقت بها في “حرب الإسناد” وملحقها في 66 يومًا. وهو بالطبع رافض بشدة أي سلام مع العدو، ويرى في مجرّد التفاوض معه “تنازلات مجانية”.
والسيادة بالطبع لم تكتمل. لا من الخارج حيث الاحتلال الإسرائيلي، ولا من الداخل حيث قيام “دويلة” تهيمن على الدولة. فضلًا عن أن التدخل الخارجيّ في الشؤون اللبنانية الداخلية موسم دائم مزدهر يتبدّل فيه اللاعبون لا اللعبة، وبعضهم موجود عسكريًا وأمنيًا في لبنان.
رئيس الحكومة نواف سلام دعا ضمنًا الزعامات السياسية إلى التواضع في بلد صغير ليس مركز الكون والسلاح الإيراني فيه ليس مركز الدائرة، وذلك بالقول: “لسنا قادرين على تغيير العلاقات بین أمیرکا وإیران، ولا تغيير عدد من المعطيات في المنطقة ولا معطيات الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، لكننا قادرون على تحصين أنفسنا في الداخل من تأثيرات المحيط”. وتلك هي المسألة والمشكلة في آن. فنحن، مع استثناءات محدّدة ومهمة، نحترف التأثر بالخارج ونطالبه بالمزيد من التدخل في شؤوننا الداخلية ونصاب بالإحباط إذا تراخى في الدعم. كان ماركس يصف جماعة العنف الدائم بأنهم “الحالمون بالمطلق”. ومشكلتنا تبدأ بالحالمين بالمطلق والمؤمنين بالعنف الدائم ولا تنتهي بالمصرّين على ترك الآخرين يقرّرون مصيرهم والرافضين اكتمال مشروع الدولة ونهاية الوطن.