شهر آذار يعني لنا الكثير في رابطة اصدقاء كمال جنبلاط . ففي السادس عشر منه اغتالت يد الغدر كمال جنبلاط رائد الاصلاح والتطوير بهدف اقامة دولة المواطنة المدنية والعلمانية التي تضمن وحدة اللبنانيين وبقاء الكيان ، فنعاهده بأننا سنواصل على خطاه ، نشر افكاره ومشاريعه ومواقفه لعل في التذكير افادة.

وبما ان شهر آذار هو شهر المرأة والام التي ندعم ونقدّر يطيب لنا ان نتذكر مواقف المعلم كمال جنبلاط من قضايا المرأة اللبنانية.

تنطلق نظرة كمال جنبلاط للمرأة وقضاياها، من نظرته للإنسان فهو لا يميّز في هذه النظرة بين الرجل والمرأة، فما يطلبه للإنسان ومن الإنسان واحد. إلاّ أنه يعطي للمرأة بعض الصفات التي لا تتوفر لدى الرجال.

ومن دراسة له عن الديمقراطية واحترام القانون والدستور والأخلاق. صدرت في جريدة الأنباء بتاريخ 3/8/1974، ووردت في الصفحة 82 من كتاب له عنوانه “الإنسان والحضارة” نستعير هذا القول:

“أعتقد بنظرتي الخاصة أن عند النساء صفات غير موجودة عند الرجال، فروح التضحية والصبر والاهتمام بالمسائل الاجتماعية موجودة عند النساء أكبر مما هي عند الرجال. فنساء عدّة حكمن، فكانت عندهن جرأة وشجاعة أكثر من الرجل. ولا شك في أن هناك وزارات في الدولة تنجح فيها المرأة أكثر من الرجل، ويمكن أن تكون في حقل القضاء أقل عرضة للتأثر بالشفاعات من الرجل. وعلينا أن نسهّل الطرق للمرأة في النضال والعمل الاجتماعي والخدمة العامة. واليوم السيدة نهرو (أنديرا غاندي) لعبت دوراً أهم وأصعب من دور والدها بالرغم من أنه كان عبقرياً وكذلك كان الأمر مع السيدة باندرانايكه في سيريلنكا، وغولدا مائير رغم بشاعتها.ولذا يجب إفساح المجال للنخبة النسائية بأن تلعب دورها أيضاً كالرجل.”

هذا المنطق، وهذا الموقف من المرأة وحقوقها كان قد جسّده كمال جنبلاط، منذ العام 1951، بمشروع قانون بمادة وحيدة هذا نصه: “أعطيت المرأة اللبنانية الحق أن تكون ناخبة ومنتخبة للهيئات الاختيارية والبلدية والنيابية، على أن تتوفر فيها الشروط المفروضة للذكور، تضاف الى القوائم الانتخابية أسماء اللواتي تتوفر فيهن الشروط القانونية، عند تنظيم هذه القوائم بمقتضى النصوص المرعية.” (جريدة الأنباء في 12/11/1951). وبالفعل، وبدفع من كمال جنبلاط صدّق مجلس النواب على هذا المشروع في العام التالي سنة 1952. وكان لبنان سبّاقاً في المنطقة العربية، في منح المرأة اللبنانية حقوقها السياسية.

أما على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي، فقد دعا كمال جنبلاط الى التعامل مع المرأة بكل مظاهر الاحترام والتقدير فهي برأيه الشريك الكامل الشراكة في المسؤوليات والواجبات والحقوق. وهي الحبيبة والزوجة والأم والأخت، وبممارستها لكل هذه الأدوار تستوجب من الرجل الاحترام والتقدير.

ومن أجل أن تتمكن المرأة من تأدية أدوارها المختلفة بنجاح سعى لأن يفتح أمامها فرص الحصول على العلم بعد أن نشره في مطلع الستينات بتوسيع التعليم الرسمي في مختلف مراحله الابتدائية والثانوية والجامعية وهو الذي فرض الاهتمام بالجامعة اللبنانية وتوسيعها وزيادة فروعها واختصاصاتها، الأمر الذي أفسح في المجال واسعاً أمام المرأة للتعلّم واكتساب المعرفة والخبرة.

وكان يرى أن أهم دور للمرأة هو دورها كأم ومربيّة للأجيال الجديدة.

ومن مقابلة له مع لجنة حقوق المرأة في الشوف زارته في المختارة سنة 1950 نقتطف:

“تستطيع المرأة اللبنانية أن ترشح نفسها لرئاسة الجمهورية وتمارس جميع المهن الحرّة. وباب الجامعات مفتوح أمامها، عليها أن تمارس حقوقها دون أن يحصل من جراء ذلك أي أذى للعائلة التي تنتمي إليها، أي دون أن تهمل أولادها… أتمنّى للمرأة أن تمارس حقوقها وحريتها في المجتمع اللبناني بشعور عميق بالمسؤولية لأنه كما تكون المرأة يكون المجتمع إذا كانت المرأة فاضلة يكون المجتمع فاضلاً”.

هذه كانت نظرة كمال جنبلاط الى المرأة وهذا ما كان يريده لها.

فما هو واقع المرأة في لبنان اليوم، وخاصة على صعيد التشريع، فبالرغم من ان لبنان صادق على عدد من الاتفاقيات الدولية وعلى مواثيق كثيرة تكفل للمرأة حقوقها وتساويها بالرجل كمواطنة لها حقوق وعليها واجبات الا ان التشريعات والقوانين وخاصة قوانين الاحوال الشخصية مازالت تميز ليس فقط بين المرأة والرجل (من حيث السلطة الزوجية ، سن الزواج، الارث، الطلاق، حضانة الطفل…) بل بين المرأة والمرأة حسب الطائفة التي تنتمي اليها، وبالرغم من الجهود التي بذلت ولا تزال من اجل اقرار قانون موحد للاحوال الشخصية يساوي بين المرأة والرجل. فان اقرار هذا القانون ما زال دونه عقبات كثيرة ابرزها النظام الطائفي الذي اعتبره المعلم الشهيد كمال جنبلاط “آفة الآفات”.

ومع ذلك خطوات مهمة تحققت على صعيد الغاء جميع اشكال التمييز ضد المراة في التشريعات اللبنانية واخرى ما زالت الجهات المختصة تعمل على تحقيقها.

فالهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية التي تعتبر بحكم القانون الذي انشأها ذات الرقم 720/1998 مرجعية وطنية ، بكل ما يتعلق بأوضاع المراة في لبنان وبالتعاون مع الجمعيات والمنظمات التي تعنى بشؤون المرأة وتهتم بحقوقها احرزت تقدما لابأس به على صعيد التشريعات والقوانين . ففي العام 2017 توصلت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية الى حمل المجلس النيابي على الغاء المادة 522 من قانون العقوبات التي كانت تنص على اعفاء المغتصب من العقاب اذا تزوج من ضحيته، وفي العام 2018 من اطلاق الخط الساخن 1745 التابع لقوى الامن الداخلي لتلقي شكاوى العنف الاسري . وفي العام 2019 من الغاء الاحكام التي تميّز ضد المرأة من باب الافلاس في قانون التجارة.

وفي العام 2020 ساهمت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية في اعداد مشروع القانون الذي اقره المجلس النيابي ، الذي يكافح العنف ضد النساء ويجرّم التحرش الجنسي لأول مرة في لبنان . كما اقرّ تعديلات اقترحتها الهيئة لحماية النساء وسائر افراد الاسرة من العنف الاسري . هذا الى جانب اعتماد الحكومة اللبنانية الخطة الوطنية التي اعدتها الهيئة لتطبيق قرار مجلس الامن رقم 1325 حول المرأة والسلام والأمن. كما ان الهيئة تدرس صيغاً لاعتماد كوتا نسائية في قانوني الانتخابات النيابية والبلدية وتسعى الى حمل مجلس النواب على اعتماد نص قانون عصري شامل يتضمن مختلف المواضيع التي تنطوي على عنف ضد المرأة مثل التزويج المبكر والجرائم الجنسية والاتجار بالبشر اضافةً الى اقرار قانون يعترف بحق المرأة اللبنانية المتزوجة من اجنبي باعطاء جنسيتها لأولادها واقرار قانون موحد للأحوال الشخصية.

على امل ان تساعدنا الظروف على متابعة النضال لتحسين اوضاع المرأة اللبنانية التي عانت ولا زالت تعاني الكثير في هذه الاوقات العصيبة .