اليوم، وبعد اعلان وقف إطلاق نار على جانبي الحدود وموافقة لبنان وإسرائيل على نفاذ الآلية الجديدة لمنطوق القرار 1701 التي اقترحها الوسيط الأميركي ووافق عليها طرفا الصراع، وهو ما كانا ينشدانه من دون الإعلان الصريح، ينبغي اليوم البدء بمناقشة مجريات العملية القتالية التي دخل بها طرف لبناني من دون العودة الى الدولة، ما يمهّد لفهم ما قد يحمله المستقبل وما يجب التحضير له على كافة الصعد، مقابل عدو ما زال يحتل ارضا لبنانية ويعلن على الملأ انه سوف يغير خريطة المنطقة، ويعد مستوطنيه بأن ما وافق عليه هو وقف للنار وليست نهاية الحرب.
ومن خلال اطلاعنا ومتابعتنا لآراء معظم الباحثين والخبراء، سواء العرب منهم او الإسرائيليين، وجلّهم ضباط سابقين في جيش العدو، حفظنا سردية ان هذه الحكومة الإسرائيلية تمشي كالناقة “خبط عشواء” لأنها لم تعلن مخططها لليوم التالي في غزة وفي لبنان، وبأن رئيس وزرائها يهرب الى الأمام بافتعال القتال المستمر وإنتاج الحروب كون السجن بانتظاره في حال وقفها. لكن الحقيقة أن سير الأمور أثبت ان شعار توازن الردع الذي نادت به صنوف المقاومة – ولا استخف بما انتجته واثبتته حتى اليوم وما قد يحمل من مفاجآت إيجابية – لكن العدو الذي يحاسب نفسه بعد كل ازمة يتعرض لها كان حاضرا ومحضرا دروسه أكثر مما نعتقد.
في هذا المقال سوف استنير بما كتبه بعض الخبراء المتابعين لما يجري، وأحاول الوصول الى وضع اليد على “كبوات” محور المقاومة لتدارك الأمور مستقبلاً، وهذا لا يعني الانتقاص بالنتائج المبهرة التي حققتها المقاومة بالدم ودفع ثمنها لبنان، وفي المحصّلة أخضَعت العدو لدرس لم يتلقاه منذ اغتصابه لأرض فلسطين وأعادت وهج القضية الفلسطينية الى العالمية. وسوف أحاول استشراف المصير في ضوء صمود المقاومة في غزة واحتفاظ المقاومة الإسلامية في محورها بقدرات تهدد ما خطط له العدو وتعِدنا بأن “الكلمة للميدان” سوف تقلب المعايير، في ظل تفوق تكنولوجي غير مسبوق لجيش الاحتلال مدعوما بقدرات جوية تدميرية نفذت ابادة جماعية وتدميراً ممنهجاً لقرى وابراج ومربعات سكنية، وفي ظل دعم لم يتوقف من قوى الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية التي منعت أية محاولة لوقف إطلاق النار في غزة عبر الفيتو في مجلس الأمن الدولي.
طوفان الأقصى واقتصار الهدف المنشود على “وقف إطلاق النار”
مما لا شك فيه ان العمل الجبّار الذي خططت له قوى المقاومة الفلسطينية – حماس، ونفذته في السابع من تشرين الأول من العام الماضي، أربك عدواً يتباهى بما حققه على طريق الاستخبار والاستعلام، حيث لم تفارق مسيّراته أجواء قطاع غزة المحاصر من قبله من كل الاتجاهات. ولم يأتِ هذا العمل من دون استعداد كبير وجهدٍ مضني تطلب حفر أنفاق يسميها جيش الاحتلال بالمتاهة، وفيها أنتجت قوى المقاومة ذخائرها واسلحتها وامنت سبل الحياة ومتطلبات الصمود، وما زالت تلك الأنفاق عصية على العدو بدليل مرور أكثر من عام على احتفاظ رجال المقاومة بالرهائن (ما تبقى منهم) الذين أسروا واقتيدوا الى المكان الآمن.
على صفحته المسمّاة “ألواح غزة” يكتب الباحث السوري نزار سلوم : انتهت الوظيفة التكتيكيّة لـ “طوفان الأقصى” مساء اليوم نفسه الذي تم فيه، أي مساء 7 تشرين أول 2023. وأصبحت حركة حماس اعتباراً من اليوم التالي 8 تشرين أول، أمام هدف وحيد: وقف إطلاق النار والعودة إلى الوضع السابق للحدث. واصطفت قوى محور الممانعة وراء حماس للوصول إلى هذا الهدف.
إسرائيل ليست دولة لجميع مواطنيها … [بل بالأحرى] دولة قومية للشعب اليهودي وهم وحدهم (بنيامين نتنياهو، آذار/ مارس 2019 (رئيس وزراء إسرائيل آنذاك). بالمقابل، أعلنت إسرائيل مباشرة أنها في مواجهة وجوديّة، وهي لذلك فتحت كتابين:
الأول: كتابها المؤسس والضامن لوجود الجماعة اليهودية في التاريخ “التوراة”. وتتعدد النصوص التوراتية التي يعتمد عليها الصهاينة في أهدافهم التوسعية، فقد ورد في سفر التكوين (15/18): “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقاً قَائِلاً: “لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ”، وفي سفر يشوع (1/3/4) “مِنَ الْبَرِّيَّةِ وَلُبْنَانَ هذَا إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ، جَمِيعِ أَرْضِ الْحِثِّيِّينَ، وَإِلَى الْبَحْرِ الْكَبِيرِ نَحْوَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ يَكُونُ تُخْمُكُمْ”
والكتاب الثاني: كتاب الصهيونيّة ومشروعها المعاصر، فعقيدة اليهود منذ بداية الحركة الصهيونية مع مؤسسها ثيودور هرتزل حين أعلن مشروعه التوسعي عام 1904، تزعم أن “حدود دولة إسرائيل تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات”. وما نظرية “الشرق الأوسط الجديد” الذي ينادي به المسؤولون الإسرائيليون والأميركيون إلا حدود جديدة لدولتهم المزعومة “إسرائيل” بجغرافيتها التوراتية، وهم يسعون جاهدين مدفوعين بعقيدة توراتية لتحقيق هذه الأطماع عبر توسيع دائرة الحرب والمجازر الهمجية من حلال حفلة جنون قد تصل بهم إلى هذه المعركة التوراتية المزعومة “هرمجدون” .
اعتمدت إسرائيل ما نسميه “استراتيجيّة الكيبوردkeyboard-“، فغزّة ليست سوى “تطبيق-application”. مع غزّة تم تمرين العالم أجمع على اعتياد رؤية الإبادة تستكمل فصولها. الكيبورد في خدمة الكتاب، كتاب إسرائيل المفتوح على مختلف فصوله، المفتوح حتى أقصاه.
على هذا النحو، بدأت إسرائيل عملية “إبادة غزّة”، فيما أطراف محور المقاومة يطالبونها بالتوقف، أسوة بالمناشدات الاقليميّة العربيّة والدوليّة. ارتسم المشهد في اليوم التالي لطوفان الأقصى واضعاً إسرائيل على منصّة رؤية فوق – استراتيجيّة، مقابل محور أنهى الوظيفة التكتيكيّة لعمله، فبدا بغياب استراتيجيّة واضحة تميزه من دون هدف، فاتخذ موقع المقاوم، باستثناء البعد التكتيكي المتجدد والناتج من قراءة حزب الله والمتمثّل بمساندة حركة حماس ضمن شروط القواعد القديمة “قواعد الاشتباك”، وهي رؤية سيدفع ثمن محدوديتها غالياً في وقت لاحق، وهذه الخلاصة للكاتب السوري.
عدم توازن في رؤية محور المقاومة
من اليوم التالي للحدث – المؤسس، بدأ عدم التوازن على مستوى الرؤية وفصول القراءة للذات وللآخر. وهذا الـ “عدم التوازن” سيؤدي لاحقاً إلى تطورات غير واردة في حساب أطراف محور المقاومة. تطورات حاسمة ستقفل حقبة وتفتح أخرى جديدة. فصمم كل طرف من المحور مساهمته اللاحقة انطلاقاً من هذه الرؤيّة:
إيران كمرجع سياسي ولوجستي داعم في إطار ما هو مألوف وعادي ومتوقع. لن يتغيّر أسلوبها إلاَّ مع التحرّش الإسرائيلي المباشر بها (قصف قنصليتها في دمشق – مقتل اسماعيل هنيّة في طهران…)، وقد تصاعد هذا التغيّر مع قيامها بتنفيذ ضربة صاروخيّة على قواعد عسكريّة إسرائيليّة، بعد اغتيال السيد حسن نصر الله ما أنتج مُناخاً جاهزاً للانفجار الإقليمي في كل لحظة.
دمشق، في إطار أداء عادي وخارج عن أية وضعيّة خاصة واستثنائّية، سوى كونها تتلقى الضربات الجويّة الاسرائيليّة على نحو أصبح من المشاهد المألوفة. ضربات تستهدف أهدافاً “إيرانيّة” أو “إيرانيّة – سوريّة – لبنانيّة (حزب الله)” مشتركة.
حزب الله تفرّد بفتح جبهة الجنوب كـ “واجب شرعي وأخلاقي”، ولكن ضمن منهجيّة ضبطها في إطار “قواعد الاشتباك” القديمة المؤسسة على نتائج حرب تموز 2006.
والخطأ الأكبر، كما يضيف الباحث السوري، تبني حزب الله مقولة أنَّ حرب تموز أدت إلى انتصار كبير أرسى توازناً في الردع مع إسرائيل، من الصعوبة عليها تجاوزه للعودة إلى وضعيّة التفوق التام. نظر حزب الله إلى انتصار تموز باعتباره وضع أساساً جديداً للصراع لا يمكن لإسرائيل العودة إلى ما قبله. ورغم الخروقات الكثيرة التي قامت بها إسرائيل وخصوصاً التي يقوم بها سلاح الجو، إلاَّ أنها لم تؤثّر بشكل حاسم وقادر على تغيير وضعيّة “الستاتيكو” التي ميزت جبهة الجنوب على مدى 17 عاماً، وضعيّة رسّخت هذه القراءة التي تفضي إلى صورة لا تُرى إسرائيل فيها إلاَّ ضمن الكادر الذي خرجت فيه من حرب تموز.
هكذا، بتثبيت رؤية الحزب لصورة إسرائيل ضمن ذلك الكادر – الإطار، تجمّدت النظرة إليها، فاستبعدت أن تكون قادرة على الخروج من الإطار، ولكنها كانت فعلاً خارجه، وتمكّنت من إعادة تحميل استراتيجيتها بأسلحة وعمليات ستفاجئ بها حزب الله عندما قررت نقل مركز معركتها إلى لبنان.
اختراقات وانكشافات أمنية
إسرائيل التي بدأت حربها على غزّة في 8 تشرين أول 2023، وحربها على لبنان في أيلول 2024، هي الخارجة عن إطار صورة تموز 2006. التمويه الذي مارسته خلال عام في جبهة المساندة مع حزب الله، نجح في تثبيت قراءته القديمة، القراءة التي تعثّرت وسقطت مع بداية الخروج الخاطف من إطار الصورة الذي قامت به إسرائيل في 17 أيلول مع هجوم البيجر الصاعق، وتكرر الأمر على نحو كبير مع اغتيال السيد حسن نصر الله.
في خلال أيام عشرة (من 17 إلى 27 أيلول)، أنجزت إسرائيل ما كان يبدو عليها صعباً أو ربما مستحيلاً إنجازه. ما بين هجوم البيجر الصاعق واغتيال السيد حسن نصر الله، بدت إسرائيل على منصّة مختلفة ومغايرة لتلك التي كانت عليها منذ تموز 2006.
أحداث الاغتيالات السابقة التي قامت بها إسرائيل وضربها لبعض المواقع العسكريّة التابعة لحزب الله (منصّات صواريخ، مخازن أسلحة…) كانت تشير إلى اختراقات أمنيّة ما (أقرّ السيد حسن نصر الله في آخر خطاب له بوجود هذا الخرق)، لكن أحداث الأيام العشرة أعطت انطباعاً مباشراً أن حزب الله ليس مخترقاً وحسب، بل هو مكشوف أمنياً على نحو مذهل!!
وعزز من هذا التصور العمليات اللاحقة والمستمرة التي ساحتها تمتد من البوكمال شرقاً إلى البقاع الشمالي إلى الضاحية والجنوب، التي تطاول في أهدافها قادة عسكريين وسياسيين من حزب الله آخرهم السيد هاشم صفي الدين، والسيد وفيق صفا.
الحرب على لبنان الآن تجري بأسلوب مشابه لما جرت فيه في غزّة وتستهدف: ضرب البنيّة السكانيّة قتلاً وتهجيراً، وتدمير البيئة العمرانيّة وجعل المكان غير صالح للحياة. في قرى الجنوب كما في الضاحية الجنوبيّة لبيروت.
سلبية الحاضنة العربية لدور حزب الله
دأبت قوات العدو الإسرائيلي على استهداف المباني السكنية المدنية في القرى الحدودية وقرى البقاع وصولا الى ضاحية بيروت الجنوبية، وفق استراتيجية انتقامية تهدف الى قطع أوصال القوى العسكرية المقاومة، وتدمير البنية التحتية المتواجدة داخل مناطق مدنية، حيث تدّعي الرواية الإسرائيلية أن حزب الله يدمج عملياته مع الحياة المدنية، ما يجعل من الصعب استهدافه بوسائل تقليدية.
لكن هذه التكتيكات تثير قضايا أخلاقية وقانونية، حيث إن القانون الدولي الإنساني ينص على ضرورة حماية المدنيين وممتلكاتهم والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية. كثيرا ما تتعرض إسرائيل لانتقادات دولية واسعة من خصومها وحلفائها بسبب هذه العمليات، وتتعرض لاتهامات بجرائم انتهاك قوانين حقوق الإنسان واتباع نهج الإبادة الجماعية ومسح القرى.
يلي هذا تحميل حزب الله اللبناني مسؤولية الحرب على الجبهة الشمالية لأنّه ورط نفسه وورط لبنان في دعم مقاومة غزة، ويحمله البعض مسؤولية دمار لبنان! هذه الأصوات اللبنانية والعربية، تمنح الاحتلال المزيد من الذرائع لمواصلة جرائمه، وتمنح الداعمين له في الغرب وأميركا غطاء سياسيا في مواقفهم المتواطئة والمشاركة إلى جانب الاحتلال.
ثمة عناصر أخرى في المشهد التفاوضي يغفلها المفاوض اللبناني، أو يشيح نظره عنها، وتتمثل في اليتم الرهيب الذي ألمّ بالضحية اللبنانية، وهو ما لم نشهده في الحالة الفلسطينية. وعدا عن المساعدات الإنسانية التي تدفقدت مشكورة من الدول العربية الشقيقة، ألا نلاحظ مثلاً غياب التضامن السياسي العربي الرسمي مع المجزرة التي يشهدها لبنان؟
منهجية “اجتثاث” على الطريقة الأميركية في العراق
بالرغم من موافقة العدو الإسرائيلي على الآلية الجديدة لوقف اطلاق النار، فما يطفو على سطح المطالب التي طرحها يؤكد ان هذا “التوقف” عن اطلاق النار مبني على امل الحصول على ضوء أخضر اميركي من الرئيس القادم (بعد 65 يوماً على بدء تنفيذ الاتفاق) لينقلب على الآلية – الاتفاق، ولا مانع لدى هذا العدو من خرق الاتفاق طيلة هذه المدة بأية حجة واهية، فالقارئ المتابع لاضطرار اسرائيل التوقيع يدرك انه “خرج من المورد من دون حمّص” وهذا لا يلبي وعوده بإعادة آمنة لمستوطني الشمال.
في رؤيتها المعلنة على لسان معظم وزرائها المتشددين، تحاول إسرائيل تطبيق المنهجيّة نفسها مع حزب الله، التي مارستها الولايات المتحدة مع حزب البعث، بعد احتلالها للعراق 2003. المنهجيّة موجزة في مفردة “الاجتثاث”، أطلقتها الولايات المتحدة صريحة بعنوانها: اجتثاث البعث، فيما تحاول إسرائيل تطبيقها في لبنان دون أن تعنونها. وهي تقوم أساساً على إنتاج هلع وخوف وهستيريا عامة من “حزب الله”. والقاعدة الرئيسة لهذه المنهجيّة، أولا: عزل حزب الله عن لبنان، فـ “حزب الله” حالة لا لبنانيّة، هو شيء ولبنان شيء آخر، على هذا النحو تحاول إسرائيل إنتاج هذا التناقض القاتل. ثانياً، ضرب البيئة الحاضنة في مقومات حياتها، وإشغالها بالبحث عن هذه المقومات، والدفع بها للاصطدام ببيئات طائفيّة ومذهبيّة أخرى مستعدة وجاهزة للصدام، خصوصاً مع شيوع ثقافة التخويف المتبادلة التي يتم ربطها بمصير هذه البيئات – الطوائف ووجودها وثقافتها.
بهذا المعنى يتم إعداد منصّة (الحرب الأهليّة – الطائفيّة)، التي خفُت احتمال اشتعالها بعد إخفاقات جيش الاحتلال من تحقيق إنجازات ميدانيّة حاسمة ضد حزب الله.
غير أنَّ هذا التهجير، كما تهجير الفلسطينيين، كما الإنزياحات السكانيّة الكبرى التي شهدها العراق والشام خلال العقدين الماضيين، يأخذ بعداً مصيرياً بكونه يهدم الهيكل المجتمعي، ويعيد توضيع مكوناته على نحوٍ غير مستقر، قلِق، متوتر، فتفقد المجموعات السكانيّة علاقتها الراسخة مع المكان، وتصبح أكثر استعداداً للرحيل مجدداً أو إخلاء أمكنتها، أو الصدام مجدداً في حلقة من العنف لا يبدو في الأفق ما يشير إلى نهايتها. وبذلك تسعى إسرائيل إلى إنتاج بيئات سكانيّة مجتمعية موازية لبيئتها بهذا المعنى، مع فارق أن فائض القوة الذي تملكه يؤمّن حماية لبيئتها، فيما تفترض أن فشل الدول المحيطة بها يضع بيئاتها السكانيّة أو مجتمعها في العراء التام.
منهجية الشخصَنَة و”النصر الوهمي”
يكرر أطراف محور المقاومة مع غيرهم خطأً جسيماً في قراءة إسرائيل خصوصاً عندما يندلع القتال معها:
1- في منهجيّة الشخصَنَة: حيث التركيز كان دائماً على شخصيّة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينيّة. لوهلةٍ، ظننا أنَّ وظيفة هذه الحرب تتمثل بإسقاط نتنياهو وحكومته!! اعتماداً على سرديّة رائجة تقول إنَّ حكومة نتنياهو تعمل على استمرار الحرب التي بدأتها على غزّة خوفاً من محاسبتها وإسقاطها مع نهايتها! ديناميّة النظام السياسي الإسرائيلي التي قد تُسقط حكومة نتنياهو كما تُسقط غيرها، هي ميزة تعود بمردودها للجانب الإسرائيلي وليس لنا؟!!!
فالشخصَنَة تقود إلى الاحتفاء بنصرٍ وهمي. (عندما سقط جورج بوش الأب في انتخابات الرئاسة الأميركيّة في العام 1992 أمام بيل كلينتون، خرج الرئيس صدام حسين من بوابة القصر الجمهوري وهو يحمل بندقية حربيّة ليطلق منها رشقات متعددة احتفاءً بسقوط غريمه…!!)
2- منذ إعلانها كدولة في 15 أيار 1948، بدأنا ننظر إلى إسرائيل كمخلوق لقيط، وهذا صحيح من وجهة علم الاجتماع ونواميسه، ولكن هذه الرؤية، إن لم تأت في سياق معاينة تاريخيّة، ستكون بمثابة اختزال مُضلل، فالدولة الاسرائيليّة المولودة في العام 1948، هي الوجه الراهن للمشروع الصهيوني المؤسس رسميّاً في العام 1897، والذي يعود في اختلاجاته الأولى إلى ما يسمى بـ “المسألة اليهوديّة” -وهو مصطلح بدأ التداول به في منتصف القرن الثامن عشر، قرابة العام 1750 في أوروبا – وبدأ يتبلور مع الجمعيات اليهوديّة المتكاثرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتي بدأت تضع برامج الاستيطان في فلسطين ولتنفّذها عمليّاً ابتداءً من العام 1878.
إسرائيل بيمينيها ويساريها ووسطييها تدين إلى كتاب واحد يفتحونه جميعهم ودون استثناء، ويتبعون مشروعاً واحداً هو المشروع الصهيوني، يعملون جميعهم ودون استثناء لتحقيقه كاملاً غير منقوص أو معدّل.
في الخلاصة
على مر تجارب التاريخ، لم يرضخ أي مستعمر لمطالب وحقوق حركات التحرير إلا بعد أن تصبح كلفة الاحتلال أكبر من قدرته على احتمالها. هذا مع أن تجارب حركات التحرير تعلمنا أن لا مكان للمفاوضات في الصراع مع الأنظمة الاستعمارية، إلا بعد إحراز تغير في ميزان القوى يجبر العدو على الاستجابة لمطالب حركة التحرر. ما حصل وأفضى الى هذا الوقف لإطلاق النار أسهمت فيه نجاحات قوى المقاومة في صده والتصدي الكبير لعدوانه البري، وحققت إيلاماً وصل الى وسط الأراضي المحتلة للمرة الأولى، ولكنه لم يكن ليحدث لولا مصلحة أميركية فرنسية ترجمت بالتوصل الى هذه النتيجة.
وحتى لا نغوص في نصر لم يتحقق إلا بعد كلفة عالية على لبنان وليس على بيئة الحزب فقط، نأمل ان يستفيد الوطن كله في توثيق أواصر المنعة الاجتماعية والتكافل والتضامن والإلفة التي ظهرت بين بنيه، حتى يتمكن من إعادة مأسسة إدارة حديثة بعد ان يقتنع الفرقاء اللبنانيون بضرورة اجتياز مرحلة الفراغ الرئاسي وما يتبعه على كافة مستويات السلطة وإتباع مبدأ وحدة السلاح بديلا لوحدة الساحات ويكون القرار والسلاح بيد الدولة، والدولة وحدها. ولا يعني هذه التوجه الى التغافل عن عدوانية هذا الكيان العنصري. لقد علّمنا كمال جنبلاط ان لبنان دولة محايدة ما بين المحاور العربية لا مصلحة له لتغليب محور على آخر، ولكنه في الصف الأمامي عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.