ان المشروع الصهيوني الاميركي يهدف الى تثبيت الاغتصاب الصهيوني الاستيطاني على ارض فلسطين واقامة دولة يهودية دينية عنصرية لا مكان فيها لغير اليهود. ومن اجل تحقيق هذا الهدف اعتمدت الحركة الصهيونية مدعومة من الولايات المتحدة خاصة ، والغرب الاوروبي عامة ، اسلوب قتل وابادة وتهجير الفلسطينيين من بلدهم ووطنهم منذ ثلاثينات القرن العشرين ولا تزال، ونكران وجود اية حقوق للفلسطينيين، بل لا وجود لهم اصلاً. والاستعانة بالادارة الاميركية لبثّ الفرقة بين العرب، وشرذمتهم واضعاف دولهم، واجبارهم على التطبيع مع اسرائيل يقيمون معها علاقات ومصالح مشتركة ومشاريع اقتصادية ومالية وتكنولوجية وسياحية.
-ثانياً – المشروع الايراني ومحور الممانعة
رأى هذا المشروع النور بعد قيام الدولة الاسلامية في ايران سنة 1979. وكان الهدف منه اقامة شرق اوسط جديد اسلامي ترعاه وتتزعمه ايران، ومن اجل تحقيق هذا الهدف، سعت السلطات الايرانية لاقامة محور الممانعة في وجه المشروع الصهيوني – الاميركي ، واوكلت الى القائد الشهيد قاسم سليماني مهمة هندسة وتنظيم اقامة محور المقاومة الاسلامية وضمان وحدة ساحات هذا المحور ، من خلال تشكيل منظمات شيعية ّ اسلامية مسلحة في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن . وتامين كل ما يلزم لها من تمويل وتسليح وتدريب كقوى شقيقة فاعلة تتجاوز السلطات الشرعية الرسمية في هذه البلدان ، وترتبط عقائديا ً واستراتيجياً بالسلطات الايرانية وحرسها الثوري خاصة. ومن اجل الترغيب في الانتساب لهذه المنظمات ، تشكل فيلق القدس ورفع شعار التصدي للاستكبار الاميركي الشيطان الاكبر و ربيبته اسرائيل، وتحرير فلسطين والقدس ومقدساتها الاسلامية وطرد الولايات المتحدة من المنطقة . ومن خلال رفع هذه الشعارات استمالت ايران فصائل فلسطينية اسلامية سنية الى محورها الممانع.
التحولات الميدانية والساحات المتصارعة
في فجر السابع من تشرين الاول سنة 2023 ، فاجأت حركتا حماس والجهاد الاسلامي الفلسطينيتين الممانعتين اسرائيل والجميع في المنطقة الشرق اوسطية والعالم، بهجوم مباغت على المناطق الاسرائيلية المجاورة لقطاع غزة ، لا مثيل له سابقاً في الصراع العربي – الفلسطيني مع العدو الاسرائيلي ، شكل نقلة نوعية قاتلة وجودياً ومعنوياً للكيان الصهيوني ، فكان الرد العسكري عليه همجياً وحشياً : حرب ابادة وافناء في قطاع غزة ، و ارتكابات استيطانية مروعة في الضفة الغربية لا تزال مستمره حتى كتابة هذه السطور في شهر كانون الثاني 2024، مدعومة بالمال والعتاد والسلاح من الادارة الاميركية ، وبالتأييد الاوروبي على مستوى السلطات .
ما ترتكبه اسرائيل من مجازر في حربها على الشعب الفلسطيني ، اثار موجة غير مسبوقة من التنديد والاعترااض على صعيد الشعوب في مختلف انحاء العالم ، بما في ذلك الولايات المتحدة والقارة الاوروبية، وتسبب بانفصام عامودي بين السلطات وشعوب هذه المناطق.
وعلى محور الساحات ، تحركت المنظمات الممانعة من المقاومة الاسلامية المساندة حماس والجهاد الاسلامي ، في مقاومتهما البطولية لحرب الابادة الاسرائيلية ـ وفتحت جبهات قتال وقصف على اسرائيل وعدوانيتها الوحشية من لبنان وسوريا والعراق واليمن. وتعاملت اسرائيل مع هذه الجبهات قصفاً وتقتيلاً واغتيالاً.
وتزايدت المخاطر والمخاوف من انفلات الامور وانفجار حرب اقليمية بالغة الخطورة على الجميع في المنطقة مع تداعيات اقتصادية ومالية وامنية تتأثر بها مختلف الدول والشعوب في العالم . فهل ستصل الامور الى هذا الحد.
مما لا شك فيه ان الحرب الاقليمية الشاملة ليست نزهة ، ولا حساباتها تقتصر على طرف او طرفين في اطار تصعيد في الفعل على الارض، وفي سوء تقدير للتداعيات والنتائج. فهكذا حرب تكون خياراً لتحقيق اهداف استراتيجية وراديكالية ، والذين يهوّلون بها هم في طليعة من يفضلون تفاديها وعدم الانجرار الى اتونها. فلا اسرائيل العاجزة عن تحقيق اي هدف من اهداف حربها على غزة، ستكون اقل عجزاً في لبنان بمواجهة مقاومة اقوى واشد ، قد تنضم اليها سائر محاور المقاومة في سوريا والعراق واليمن ، ولا حزب الله اللبناني يجهل ان الدمار الواسع الذي يستطيع ان يلحقه بالعدو الاسرائيلي في الجليل والعمق الاسرائيلي لا مجال له ليحرر ارضاً ومقدسات في فلسطين ، ولا يحمي لبنان من التدمير– كما ان هذه الحرب الاقليمية ليست حالياً على اجندة اي من الطرفين الكبيرين اللذين يتوليان ضبط الاوضاع : الولايات المتحدة وايران . فكلاهما لا يريدانها. الولايات المتحدة في سنة انتخابات رئاسية ولا ترغب في الانغماس في اي حرب قد تشكل تهديداً وجودياً على اسرائيل لما في ذلك من تداعيات على السباق الانتخابي الاميركي. ولا السلطة الايرانية تريدها وتعتبر ان اسرائيل تبتز الولايات المتحدة لجرها الى حرب في منطقة الشرق الاوسط في وقت لا تراه ايران الان مناسباً لها، وقد يهدد دورها وطموحاتها في المنطقة ، بل وجودها ونظامها نفسه .
الاتصالات متواصلة ، بأشكال مختلفة ، تحت الطاولة كما يقولون ، وهي متوقفة على نجاح التفاهم على تقاسم النفوذ في المنطقة بين دعاة المشروع الصهيوني ودعاة المشروع الايراني. وهنا يبرز السؤال الكبير الذي لا جواب له الان : اي مصير للقضية الفلسطينية واي دور للعرب في كل ما تشهده الساحة العربية من تطورات؟