هذا البارق ، احتبسنا انفاسنا لأجله مدة ثلاثة ايام نراقب تطورات الاحداث ، ونحن نكبت الامل خوفاً من الفشل، واذا باللهب المهدي الهادي ينتقل من الاسكندرية الى القاهرة ، الى قصر عابدين ليقضي على عهد فاروق ، وتمكنت قبضة من الضباط التقدميين ان تتسلم الحكم وان تحوله بمعجزة ومبادرة سريعة مخلصة من تسلّط عسكري الى سلطة مدنية متحررة تقدمية ، مصلحة وقادرة .

وكانت هذه المعجزة من فعل المارد الاسمر ، سقى الله ارضه بكل وابل خير ورافقته العناية . وكان يقول لنا فيما بعد، ونحن نتكلم عن الاوضاع المتقلبة في بلد شقيق “ان اعظم شيء فعلته في حياتي ليس هو المنجزات الكبرى في الحقل الوطني ، ولا المنجزات الكبرى في الحقل الداخلي والاشتراكي ، بل هو في تمكّني من ابعاد الجيش عن السياسة!

واصبح جلاء البريطانيين امراً محتماً منذ قيام الثورة العربية المباركة في ارض الكنانة، فتمّ الجلاء عن مصر وعن القنال، ثم كانت صفقة الاسلحة الروسية التي حوّلت مجرى التاريخ في الشرق العربي بأسره، وقلبت موازين القوى ، وجاء تأميم القنال كثالثة الاثافي على رأس الاستعمار ففقد رشده ، وقام بالعدوان الثلاثي البريطاني – الفرنسي الاسرائيلي الاثيم ، ليسترد مافقده ، وليقضي على حكم عبد الناصر … فقامت شعوب العرب وشعوب العالم وحكوماتها في وجه العدوان ، واضحى العالم العربي كتلة معنوية متراصة واحدة ، وقطعت سوريا انابيب البترول ، وحالت مصر دون مروره بالقنال بردم بعض اقسامه بالسفن المعطلة فيه. فعطشت مصانع اوروبا الى النفط ، وقاست اوروبا مرارة الحرمان لعدة اشهر.؟. ونهضت شعوب آسيا وافريقيا وحكوماتها تستنكر وتتظاهر، وهبّ الرأي العام العالمي ليضع حداً للعدوان . وادرك اوروبا الغربية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا خطأها ، الى اي مهالك تقودها الحرب العدوانية ضد الشعب المصري ، وضد حرية الشعوب عامة ، فتراجعت الجيوش المعتدية عن ارض مصر ومياهها، وذهب انتوني ايدن ضحية العدوان !”

(المرجع: من خطاب له في مهرجان المختارة في اول ايلول سنة 1963)