(المرجع: مجلة الرابطة “فرح العدد 36 – 14 آذار 2019”)

نعيد نشرها اليوم تحية من رئيس الرابطة الاستاذ عباس خلف لروح المعلم كمال جنبلاط في ذكرى استشهاده

من جديد نلتقي اليوم تجمعنا مناسبتان تعنيان لنا الكثير. مناسبة الذكرى الثانية والاربعين لاستشهاد المعلم كمال جنبلاط الذي غيّبته عنا يد الغدر في 16 آذار 1977، ولكنه بقي وسيبقى حياً وحاضراً في فكره ونضاله ورؤاه الانسانية المستقبلية في وجداننا وفي تصميمنا على نشر افكاره والاضاءة على مسيرته ونضاله. والمناسبة الثانية هي الاحتفال بإعلان اسم الفائز بجائزة كمال جنبلاط للعام 2018 للمرشح الذي تميز بأبحاثه وتوجهاته وطرق علاجه المتعلقة “بمكافحة مرض السرطان المتفاقمة مخاطره في لبنان”.

يطيب لي، بمناسبة ذكرى استشهاد المعلم كمال جنبلاط، صديقي ورفيقي ومرشدي الذي عايشته لمدة ربع قرن، ان انقل لكم بعض انطباعاتي عن هذا الانسان المناضل، عن القائد الرائد ذي الرؤية المستقبلية، عن المفكر الموسوعي والاديب والشاعر والصوفي العرفاني، عن رائد الاصلاح الشامل الديموقراطي والسياسي والاقتصادي والقضائي والبيئي.

كمال جنبلاط الذي عايشته قائداً سياسياً وموجهاً فكرياً، كان هو هو، نضال دائم وعمل دؤوب من اجل كل ما يهم الانسان، وكل ما يحتاج اليه الانسان ليعيش انسانيته بكرامة. لم يكن اهتمام كمال جنبلاط بقضايا الناس، مجرد شعارات او كلمات يطلقها للاثارة او لاستدرار العطف والولاء، بل كان قبل اطلاق الكلام ينطلق من الوقائع المعاشة، ومن نظرته الثاقبة للامور وحكمته في التعاطي مع الاحداث، ثم ينتقل الى الفعل فيجسده صيغة او مشروعاً، ويواصل النضال من اجل تحويلها الى برامج اصلاحية، وذلك كله من خلال رؤية انسانية لتحسين احوال الكادحين من عمال ومستخدمين وفلاحين.

كمال جنبلاط لدى ممارسته لدوره كنائب ، او لعمله كوزير للاقتصاد والزراعة او التصميم او الاشغال العامة ، او التربية او الداخلية، تميّز بوضع البرامج والمشاريع والسهر على تنفيذها اياً كانت العقبات التي تواجه نهجه الاصلاحي. ومن خلال ندواته ومهرجاناته ومؤتمراته ومقالاته الصحفية، كان يعيش في مواجهة يومية مع مشاكل الوطن والمواطنين. وكانت مواقفه وممارساته تصبّ كلها في مصلحة لبنان واللبنانيين والعرب عامة والحق الفلسطيني خاصة. فهو الذي حمل بجرأة نادرة لواء القضية الفلسطينية ودعا لإعادة الحقوق وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم في فلسطين.

 في مقابلة له مع اذاعة مونتي كارلو سنة 1973 حول “رؤيته للحل العادل للقضية الفلسطينية ” قال كمال جنبلاط: “نحن لا يمكننا ان نقبل بالاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، وموقفنا ينطلق من منطلقات قومية واضحة، وحقوق مشروعة للشعب الفلسطيني. ونحن نواكب الاحداث، ونسعى مع الفلسطينيين لتحقيق الهدف بأن تعود فلسطين بكاملها الى العرب وان تقوم على ارض فلسطين دولة موحدة للعرب ولليهود. آمل ان يحمل المستقبل حلاً للقضية الفلسطينية، يعيد اللاجئين، ويسمح بقيام دولة فلسطينية في الاطار التاريخي والجغرافي تلغى فيه دولة اسرائيل ويبقى اليهود”.

وبمناسبة يوم الرفض الفلسطيني في 15 ايار 1976 ، وفي لقاء تضامني مع الشعب الفلسطيني نُظّم في بيروت، اعلن كمال جنبلاط : “في تاريخ هذه الامة كنا نواجه المؤامرات من القوى المعادية، الا ان ما نواجهه اليوم هو بحق اخطر هذه المؤامرات. انها مؤامرة من نوع جديد، هي مؤامرة مصالحة اسرائيل والاعتراف باحتلالها وبوجودها عن طريق تمرير الحل الاستسلامي، ومنع عودة الشعب الفلسطيني الى ارضه واقامة دولته… انه يصعب علينا جداً ان نتصور اقدام العرب على القبول بهذه التسوية المشبوهة!!”

هذا ما استنكره ورفضه واستبعده كمال جنبلاط في سبعينات القرن الماضي. وها نحن اليوم في اواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ما زلنا نعاني من المؤامرات المتواصلة ليس على الشعب الفلسطيني فحسب بل على سائر الشعوب العربية. فما تشهده البلدان العربية من حروب مدمرة الغائية يتداخل فيها الاقليمي والدولي ويغيب الدور العربي ، وتطل علينا المؤامرة الادهى والاخطر التي يتواطأ فيها الرئيس ترامب ومن يدعمه من الاميركيين المتصهينين مع اليمين الاسرائيلي العنصري لتصفية القضية الفلسطينية نهائياً من خلال ما سمّي “صفقة القرن” والضغط على الفلسطينيين والعرب للقبول بها والاستسلام للمصير المشؤوم.

 ايها الحفل الكريم،

وسط كل هذه التطورات ، نستعيد في لبنان ما حذر منه كمال جنبلاط في مقال له لجريدة “الانباء” بتاريخ 25/8/1962 حيث كتب: “يجب ان يتنبه اللبنانيون الى الاخطار الداخلية والخارجية التي لا تزال تحيق ببلادهم اكثر من اي وقت آخر. ان مشاريع عودة النفوذ الاجنبي يتم اعدادها في الدوائر المختصة في كل من الدول الكبرى والاقليمية. ولعل اخطر ما يحاك ضمن هذه الفوضى القائمة في العالم العربي ووسط هذا التناقض، هو التخطيط لأجل فرض حل لاسرائيل على حساب الحقوق العربية والفلسطينية.

فوسط هذا الوضع، لا يسع لبنان الا الانتظار واتخاذ موقف الحياد الايجابي مما يحصل ليصون سيادته وحريته ومصالحه .”

هذا ما كان يصح للبنان قبل حوالي ستين عاما وهو لازال يصح اليوم، حيث يمر لبنان بظروف صعبة ودقيقة سياسياً واقتصادياً وامنياً نظراً لما يقوم حولنا من أحداث دامية وعدم استقرار في العالم العربي والمحيط الاقليمي ، اضافة لما يتكبده لبنان واللبنانيون من عبء حوالي مليوني انسان بين لاجئ ونازح مع ما يشكله ذلك من ضغوط اقتصادية وامنية لا طاقة له على تحمل تبعاتها.

ومع الاسف الشديد، عندما ننظر الى الاوضاع اللبنانية اليوم نلاحظ وكأن الامور فالتة تسير من تلقاء ذاتها بصورة عفوية بلا توجيه ولا قواعد ولا تخطيط، ولكن ما من احد يعلم الى اين. فالرياح والاهواء تتقاذفنا في كل اتجاه وننسى الوطن ومسؤولياتنا تجاهه ونوالي هذه الجهة الاقليمية والدولية او تلك . ان ما نعاني منه اليوم يهدد الكيان والوجود ولا يمكن ان يستمر مهما روّجوا له من اشاعات ترهيبية او تخوينية، ومهما واجه هذا الشعب من قيود ومن ضغوط. فالناس باتوا يعرفون الحقائق، والشعب بات اكثر ادراكاً لحقوقه ومصالحه وهو يعلم ان هذه المحاولات المشبوهة انما القصد منها تحويله عن المطالبة والاصرار على نيل هذه الحقوق وتلك المصالح.

ان المشاكل التي يعاني منها لبنان في السياسة والاقتصاد والمال لا يمكن حلها بالطريقة التي يعتمدها المسؤولون في غياب العلم والادارة النزيهة والرشيدة. فكيف يمكن ايجاد حلول للقضايا التي لا تستند الى خطط وحلول عملية قابلة للتطبيق السليم؟

ان ما اشرنا اليه يقودنا الى الحديث عما يروّج له اليوم عن ادعاء الجميع عزمهم على مكافحة الفساد، والتنبيه بأن معالجة الفساد سياسياً على الطريقة اللبنانية هو فساد بحدّ ذاته، وملاحقة المسؤولين عن الفساد انتقائياً هو فساد، والتمييز بين فاسد وآخر هو فساد. الشعب اللبناني الذي عانى وتحمّل الكثير من انتشار الفساد في مختلف الادارات وعلى كل المستويات يريد وقف الفساد الحالي بكل اشكاله وانقاذ البلد من الانهيار والتحول الى دولة فاشلة.والى من يحمل لواء محاسبة الماضي ندلّه على الطريق الاقصر والاسلم والاكثر تجرّداً.

ففي 11 شباط سنة 1961، ورداً على سؤال حول كيفية تطبيق قانون “من اين لك هذا؟” اعلن كمال جنبلاط: “هذا القانون اصدرناه في المجلس النيابي سنة 1952 لمحاسبة السياسيين والموظفين الذين أثروا على حساب خزينة الدولة وبوسائل غير مشروعة، ومع الاسف لم يُطبّق حتى اليوم مع ان تطبيقه سهل جداً. يكفي ان تقرر السلطة مساءلة موظفي الدولة والنواب والوزراء والرؤساء الحاليين والسابقين ورجال السياسة والمال والاقتصاد عن مصادر ثرواتهم ، ومحاسبتهم في حال عجزهم عن تبرير مصدر ثرواتهم لارجاع المال المسروق للدولة.”

اعتقد ان ما كان حاصلاً في العام 1960 لايزال واقعاً معاشاً على نطاق أوسع في العام 2019 ، وعلى المسؤولين الكف عن مكافحة الفساد اعلامياً وكلامياً والانتقال الى الفعل المتجرّد عن الفئوية والانتقائية والطائفية والمذهبية، واخضاع الجميع للمساءلة دون تمييز، وبهذا تنتظم الامور وتبدأ جدّياً وفعلياً حملة مكافحة الفساد.

كلمتي الاخيرة أوجّهها تحية محبة ووفاء الى روح المعلم كمال جنبلاط في ذكرى استشهاده، مع تجديد العهد اننا على طريقه سائرون بخطى ثابتة في مسيرة النضال الدؤوب لبناء دولة مدنية ديموقراطية تسود فيها العدالة الاجتماعية والمساواة امام القانون، ويتمتع فيها المواطنون بكافة الحقوق والضمانات التي تؤمن لهم الكرامة الانسانية.