فاز المرحوم المحامي انور الخطيب عن احد المقعدين السينين لقضاء الشوف في انتخابات 1968، حيث كانت إرهاصات الفوضى تذرُّ بقرنها، والانشطار السياسي يأخذ مداه متزامناً مع نجاح لوائح الحلف الثلاثي في معظم المناطق المسيحية. ولقد تمكن يومها الزعيم كمال جنبلاط من الفوز بأكثر مقاعد القضاء رغم الشحن الطائفي الذي كان سائداً، والمرارة المتخلفة عن هزيمة 1967. وفي العام 1970 فجعت الأمة العربية بوفاة الزعيم جمال عبد الناصر، وقد كانت تربطه بكمال بك علاقة ودِّ وثقة انعكست على تعلق جماهير غفيرة من خارج قضائي الشوف وعالية بزعامة القائد الاشتراكي الذي امتد تأثيره إلى المناطق اللبنانية على اختلافها.

بعدها بأشهر قليلة توفي الاستاذ أنور فشغر مركزه النيابي ما استدعى إجراء انتخابات فرعية، فوقع الاختيار على المحامي الشاب زاهر أنو رالخطيب ليحل مكان والده، فيما اجتمعت القوى السياسية الأخرى على المرشح حسن القعقور، علماً أن المحامي المرحوم عصام الحجار كان يشغل المقعد السني الآخر بعد فوزه به على قائمة الرئيس كميل شمعون.

كانت المعركة طاحنة بكل ما للكلمة من معنى، وكانت هناك نية مبيتة لإلحاق الهزيمة بمرشح الحزب الاشتراكي وبرئيس الحزب، وذلك باستغلال حالة الخيبة التي كانت سائدة لدى المعسكر العروبي واليسار بقيادة الشهيد كمال بك، الذي وقف في أحد المهرجانات الانتخابية خطيباً وقال: إنهم يحاولون أن ينتصروا علي، وقد ظنوا انها اللحظة المناسبة بعد وفاة جمال عبد الناصر، ولكن فاتهم أن الروح الناصرية لم تزل حية في نفوس ملايين العرب؛ فكان لكلمته فعل السحر، وفاز زاهر الخطيب رغم الظروف المعاكسة.

تزامن ذلك مع نشاط العمل الفدائي الفلسطيني، وتآلف الأحزاب والشخصيات الوطنية والتقدمية في مشروع حركة وطنية برعاية الراحل الكبير، حيث أصبح رمزاً للعروبة والتحرر ومناصرة العمال والفلاحين، ليس في لبنان وحسب، بل في دنيا العرب حيث لا تخلو عاصمة من شارع يحمل اسمه، كما كانت له سمعته الدولية في المنظمونة الاشتراكية وفي الأحزاب الاشتراكية الاوروبية.

هذه المقدمة تدل على أن فكر كمال جنبلاط وثقافته، كان اساسهما العروبة والاشتراكية، والديمقراطية التي لا تنصاع للحكم الشمولي، وهذا ما أدى إلى اشتباكه مع النظام السوري الذي حاول إغراءه بالانخراط في مشروع وضع اليد على لبنان والمقاومة الفلسطينية، فكان رده أنا لا أدخل إلى قفص ذهبي كبير خالٍ من الحرية، وكان بعد ذلك ما كان مما يذكره الناس وما جرح العروبة وأدمع التقدمية، وفجع العلمانية والفكر الحر.

كان كمال جنبلاط زاهداً بمباهج الدنيا وبهرجتها، يتغذى بالقمح الأخضر، ويتنشق هواء الجبل المشبع بالحرية، ويشرب من نبع الصفا، وهذا ما حوله نبعاً للصفا يؤمه الواردون.