في لبنان اليوم صراع يسمّونه عقائديًا يدور أكثره حول هذه القومية أو ما يظنّونه هذا الدين أو ذاك، ولا يفطن أصحاب هذه المناظرات أنهم في النهاية يتحسّسون لكلمات: أنا قومي من هذا الصنف، وأنت قومي من اللون الفلاني. ولو استخدموا فكرة الوطنية لعادوا واتفقوا ربما جميعهم على ما يريدون قوله، ولكن شاءوا أن يصبّوا تفكيرهم في كلمة هي نفسها مستحدثة في اللغة العربية، فاختلفوا عليها، وما من أحد يعرف أين تبدأ وأين تنتهي. ولو رأوا الحقيقة بأمّ العين لأدركوا أيضًا أن المسيحية الأصيلة والإسلام الأصيل في النهاية يلتقيان في جوهر تحقّقهما ولا يفترقان.ولكن اكثر الناس من المتشاحنين  يفرغون في القومية كل ما تزخر به نفوسهم من قوى مكبوتة غامضة، ثم هم أنفسهم يقعون فريسة هذا السحر الذي يجذب إليه الغموض. وإلا، لو فكرنا بالولاء للبنان، فمن منّا، إن كان وطنيًا مخلصًا، لا يضمر الولاء لهذا الوطن؟ حبّذا لو اجتمع على الدوام اللبنانيون الذين ينتسبون إلى شتّى الفئات، إذ لأفادوا واستفادوا، ولوصلوا إلى تفاهم بعضهم مع بعض بشكل يزيد نضوجًا على الدوام.

 

ما من معضلة تقف في وجه التفاهم المحبّ الحقيقي؟  ولكن الناس يؤثرون التحزّب على التمسّك بالعدل وبالحق، ويستسيغون الأباطيل لأنها قد تعبّر عن نظرات لهم في الحياة وسواها من المظاهر. وإن الوحدة الحياتية والتعاون اليومي الحياتي هو الذي يجمع، والذي لا يرى ذلك كمن لا يفطن أن منطق الواقع أقوى من سفسفائيةالعقائد وطوباويتها.

 

(المرجع: كتابه نظرة عامة في الشؤون اللبنانية والذهنية السياسية ص ١١٥)