الاستشهاد شهادة ، والعمل الحزبي شهادة. شهادة على صحة العقيدة، وشهادة على تجلي الايمان في النفس وعلى تحققه في مجالات العمل والحياة . الشهيد شهد بموته على صوابية معتقده، والعامل الحزبي شهد بعمله وبمبادئ حزبه… ولولا ذلك لما عمل.
والشهادة كرامتها قائمة في ذاتها. كرامة البطل بطولته، وكل من يعمل ويضحي بهذه الروحية المتجردة عن الاجر وعن الرغبة في الغاية ، يتخذ عمله وتضحيته صيغة البطولة ، فيضحي بتمرسه الدائم بهذه الروحية بطلاً قديساً، اي رجلا انساناً رجلاً كاملاً.
ان البطل القديس يعمل في سبيل الحقيقة ، في سبيل وجودية الحقيقة ، ولا يطلب اجراً من دنيا ولا من دين .
مشكلة العالم الحديث المتعامي عن الحقيقة انه فصل وميّز بين البطولة وبين القداسة ، بين النظام وبين الانسان ، بين الدين والدولة . في افضل واحقّ ما يجب ان يجتمع عليه الدين والدولة. في افضل واحقّ ما ، فصل بين النشاط البشري والمناقبية ، بين العمل وبين التحقق الانساني ، فكانت البطولة الزمنية ، كل بطولة، بطولة الرجولة الفردية وبطولة الوطن والقومية ، بطولة الحركات الثورية الاجتماعية العمالية ذاتها تتعثر وتضيع في مستوى الوجودية الانانية الفردية مهما توسعت هذه الانانية او ضاقت ، مهما تخطت او صفت والى اي مرتكز شدّت. آن لنا ان نتخلص من ايحاء الضعف ومن مثل الضعفاء . نحن لسنا خطاة ولا مساكين ولا ضعفاء . ان من يعتقد بنفسه الضعف يصبح ضعيفاً. ومن يعتقد بنفسه القوة يصبح قوياً. ان القوة ان لم تكن في الفرد فمن اين لها ان تكون في المجتمع .
ويجب ان نتخلص اخيراً من الذين يقولون لنا “الخلاص معلق على مشيئة الاميركيين او البريطانيين او الفرنسيين وميثاق الدفاع عن الشرق الاوسط ، او في يد الروس واجتياحهم لهذه الديار، وفي يد هذه الدولة او تلك.” فيمضون ايامهم ولياليهم يرتقبون مراكب الاحتلال في الافق الازرق الابيض الرحيب هؤلاء في الحقيقة هم مستعمرون وعبيد منذ الساعة ، وقد يدركون حقيقة مشكلتهم ، حقيقة قضيتهم عندما تتفتح اعينهم فيبصرون ان خلاصهم هو في يدهم . ويجب علينا كذلك التخلص من الذين يعتقدون ان المشكلة تقوم في تصغير هذا الكيان او دمجه او في توسيعه. اولئك الضالون المضللون يحوّلون انظار الجماهير عن حقيقة مشكلتهم ، اي عن ضرورة تحررهم من الخوف والجهل والرذيلة، وضرورة تبديل الانظمة والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القائمة ، فيتوفّر للجميع الخبز والملكية والعمل والعلم والحرية .
(المرجع: من مقال لكمال جنبلاط نشرته جريدة الانباء في اول ايار 1957)