على ضوء ما وصل اليه لبنان اليوم من معاناة وانهيارات ومخاطر وجودية ، وعلى ضوء الفشل المتمادي لرجال السياسة اللبنانيين ، سواء في الحكم ام في المعارضة ، نستذكر المعلم كمال جنبلاط في رؤاه الصائبة ينبه في مقال كتبه ونشرته جريدة الانباء بتاريخ 4/10/1957 بعنوان : “ازمة الحكم في لبنان هي ازمة المعارضة وازمة الحكومة في آن” حذّر فيه بالآتي :
” ان الازمة المعنوية والدستورية التي تمر بها البلاد لا يعالجها الا حاكم يكون رجل دولة في نفسيته ، في تفكيره ، في نهجه، فهل من الممكن ان تتقمص فجأة في ارباب الحكم والسياسة ذهنية رجل الدولة فيصلحون ما افسده الدهر ، وما ساهم في افساده اصحاب المصالح الخاصة والغايات الخاصة وافراد الحاشيات والسماسرة الذين يتجمعون كالزلاقط حول قرص من الحلوى.”
ويبرر كمال جنبلاط دعوته لان يكون الحاكم رجل دولة بالمواصفات التي يجب ان تتوفر بشاغل منصب رئاسة الجمهورية بالقول :
“تضطلع رئاسة الجمهورية بمسؤوليات كبرى ، ولكنها غير مباشرة في مجالات انتظام الدولة. فعلاوة على ان رئيس الجمهورية يرمز في شخصه وفي تصرفه الى اشرف ما يمكن ان يتحلى به الخلق الوطني الخاص لكل امة ، وما ينفرد به شعب هذه الامة من صفات تميّزه عن سائر الشعوب فهو في اضطلاعه بمنصبه وبحياته الدستورية يمارس الوظائف الثلاث التالية :
1- وظيفة الحكم الذي يترفّع فوق مستوى الحزبيات الضيقة والنزعات المتنوعة والمتناقضة لكي يختار فيما بينها او يقوّمها بما يؤثره من مصلحة الوطن، ولكي يمارس التوجيه لصالح افضل العناصر واسلم النزعات.
2- وظيفة القاضي الاول الذي يراقب تنفيذ القوانين واحترام الدستور ، ويتطلع الى موافقة اكمل بين العدل والقانون
3- وظيفة الموجّه بشكل غير مباشر لأداء مجلس الوزراء ومقرراته وللادارات التي هو رأسها.”
(المرجع: بعض الاسس الرئيسية لانتظام الدولة والادارة في لبنان) وردت في الصفحة 33 من كتابه “مختارات من اجل لبنان”
واستناداً لهذه المواصفات ، يجب البحث عن رجل دولة يمتلك القدرة والكفاءة لانقاذ رئاسة الجمهورية مما وصلت اليه ، ويعيد بناء الدولة التي يحلم بها كل لبناني مخلص لوطنه.
رجل السياسة غالباً ما يمارس عمله السياسي بهدف الوصول الى الزعامة والى السلطة للافادة من منافعها: الوجاهة ، السلطان ، اشباع النزعات الشخصية والعائلية والزبائنية اولاً، والمنافع الحزبية والطائفية والمذهبية والفئوية ثانياً، يستقوي باستغلالها لمصالحه وتطلعاتته. يتدخل في عمل الادارات الرسمية لادخال المحاسيب الى مراكز يمكنه من خلالها تأمين خدمات زبائنية تساعده على كسب ولاء المستفيدين والافادة من اصواتهم لكي يستمر في منصبه. ولذا نراه لا يعير اي اهتمام جدي بأي شأن عام لا مصلحة خاصة له فيه. فهو في كل ما يفعل يسعى الى الافادة من موارد الدولة لاثرائه غير المشروع ، وللحصول على حصة في اي قالب من قوالب جبنة الدولة التي يتنافس السياسيون على اقتسامها ، ويختلفون على حجم الحصص العائدة لكل منهم.
اما رجل الدولة في نفسيته وتفكيره ونهجه، فعلى العكس ، عندما يشغل منصباً في السلطة كرئاسة الجمهورية مثلاً ، فانه يعتبر نفسه عاملاً لخدمة هذه الدولة. يتحلى بالمصداقية والشفافية والنزاهة والحدب على القضايا الاجتماعية والمعيشية التي تهمّ الشعب ككل. يرسم الخطط للتطوير والتحسين، ويضع مع معاونيه الاختصاصيين المشاريع ويتابع مراحل تنفيذها. يحاور الجميع ، يناقش، يستشير ويسعى على الدوام لتحقيق الوحدة الوطنية والتضامن الصادق بين مكونات الشعب دون اي تمييز على اساس الدين او الطائفة او المنطقة او الانتماء السياسي او الجندري . فالجميع مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات في دولة تكفل لهم الرعاية والحماية والامن والسلام والتقدم. وهو يمارس ذلك بمنطق الاب الراعي للجميع. يحاسب المقصّرين والفاسدين من خلال اجهزة الرقابة والقضاء. ويعمل لاقامة افضل العلاقات مع الدول الاخرى على اساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للاخرين .
في المحصّلة ، هذا ما نحتاج اليه اليوم قبل الغد لانقاذ لبنان ، فهل من الممكن ان تحصل الاعجوبة اخيراً ويتخلى رجال السياسة عن شخصيتهم السياسية ليمارسوا ولو لمرة واحدة، دورهم كرجال دولة ، فيبادرون الى احترام الدستور وينتخبوا رجل دولة كامل المواصفات لإشغال منصب رئاسة الجمهورية ، واعادة بناء الدولة التي تعيد ثقة اللبنانيين فيها ، ترعى مصالح الجميع الوطنية ، فيستعيد لبنان دوره كوطن الانسان.