يسود التوتّر بشأن نزع سلاح “الحزب”، الحليف الإقليميّ الرئيس لإيران، وذلك منذ اتّخاذ مجلس الوزراء اللبنانيّ قراراً تاريخيّاً وحاسماً في آب الماضي. وفي مواجهة الضغوط الإيرانيّة كان جواب السلطة التنفيذيّة في لبنان واضحاً في رفض الإملاءات والوصاية. لكنّ ذلك لم يثنِ طهران عن إصرارها على الإمساك بما بقي من ورقة “الحزب” بعد حرب الإسناد ونتائجها الكارثيّة. وهذا الرهان الإيرانيّ المتشبّث له خلفيّاته الأيديولوجيّة والآنيّة، ويحوّل لبنان إلى مسرح اشتباك إقليميّ بين إسرائيل وإيران، وكأنّ قدره أن يكون دوماً ضحيّةً بامتياز لمحيطه الجيوسياسيّ.
“الحزب” وإعادة هيكلة “المحور الإيرانيّ”
من أجل الإحاطة بكلّ هذا الترابط بين إيران و”الحزب”، لا بدّ من العودة إلى البدايات. منذ إنشائه في أوائل ثمانينيّات القرن الماضي، استمرّت طهران في تدريب الجماعة وتمويلها. وللتذكير شارك مسؤولون رفيعو المستوى في النظام الإيرانيّ، مثل علي أكبر محتشمي، السفير الأسبق في سوريا، بشكل مباشر في إنشاء الحزب – الميليشيا.
يسود التوتّر بشأن نزع سلاح “الحزب”، الحليف الإقليميّ الرئيس لإيران، وذلك منذ اتّخاذ مجلس الوزراء اللبنانيّ قراراً تاريخيّاً وحاسماً في آب الماضي
تحوّل “الحزب” خلال “العصر الإيرانيّ” (2003-2023) إلى لاعب رئيس في الشرق الأوسط. وكرّس دوره في أن يكون أداةً في السياسة الخارجيّة الإيرانيّة وحزباً سياسيّاً متجذّراً في لبنان. وعلاوة على ذلك، امتلك “الحزب” ترسانة كبيرة من الأسلحة، باعتباره عنصراً أساسيّاً في “محور الممانعة”، إلى درجة أنّه اعتُبر حتّى 2024 واحداً من أقوى الجهات الفاعلة غير الحكوميّة في العالم.
بعد السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024، لم يُحَيَّد “الحزب” بالكامل، فلا تزال مخابئ الأسلحة، وخاصّة تلك التي تحتوي على أنظمة قادرة على ضرب عمق الأراضي الإسرائيليّة، كثيرة في جنوب لبنان والبقاع (تتكلّم التقديرات عن ترميم “الحزب” قدراته بنسبة ربّما تصل إلى 30 في المئة من ترسانته الأصليّة). إنّ الجماعة، التي وفّرت لإيران منفذاً إلى البحر الأبيض المتوسّط، ووسيلة ضغط مستمرّ على إسرائيل، وخطّ دفاع أماميّاً عن الحكم في طهران، ربّما لم تعُد في وضع يسمح لها بالعمل منسّقاً وممثّلاً للمحور. ويمكن الآن لجماعة الحوثيّين أن تزعم تبوّؤ هذا الدور، نظراً لعدم تأثّر قدراتها بنسبة كبيرة وحفاظها على قوّتها الناريّة. بيد أنّ إعادة الهيكلة تبدو مستبعَدة من دون قيادة “الحزب” نظراً إلى الموقع الجغرافيّ اليمنيّ البعيد عن خطّ التماسّ المباشر، والدور التاريخيّ لـ”الحزب” في توجيه الحوثيّين وقيادتهم (كما ثبت ذلك في الكشف عن وجود رئيس أركان “الحزب” هيثم الطبطبائي الذي اغتيل حديثاً في الضاحية الجنوبيّة في بيروت لمدّة تسع سنوات بين 2015 و2024 في قيادة الحوثيّين داخل اليمن)، وتراجع الميليشيات الولائيّة في العراق، وسقوط النظام السوريّ.
هكذا يبقى “الحزب” مع ضعفه حجر الرحى في لعبة النفوذ الإيرانيّ، ويستمرّ رهان طهران عليه لإعادة هيكلة محورها.
“لبنان الوطن” وليس “لبنان السّاحة”
عندما اندلعت حرب “الاثني عشر يوماً” في حزيران الماضي، لم تتردّد إيران في استخدام كلّ ترسانتها، خاصّة الصاروخيّة منها، في الردّ على إسرائيل، بينما لم يحظَ قطاع غزّة و”الحزب” ولبنان بأيّ ردّة فعل إيرانيّة مماثلة، وعند اغتيال حسن نصرالله الأمين العامّ لـ”الحزب” وأبرز قادة المحور، اكتفى المرشد الأعلى الإيرانيّ علي خامنئي بالقول إنّ “القتل لن يمرّ دون عقاب”.
مقابل الشحّ في المواقف العمليّة الفعليّة، يعلو ضجيج منذ آب الماضي من خلال سلسلة تحرّكات بدأها الأمين العامّ لمجلس الأمن القوميّ علي لاريجاني رفضاً لقرارات الحكومة اللبنانيّة، وتكلّلت بتصريحات حديثة لمستشار المرشد الإيرانيّ للشؤون الدوليّة علي أكبر ولايتي الذي أطلق سلسلة مواقف حادّة بشأن دور “الحزب” في لبنان، مشدّداً على أنّ وجوده “لا غنى عنه” لمواجهة الاعتداءات الإسرائيليّة. وقال ولايتي إنّ وجود “الحزب” بالنسبة للبنان بات اليوم “أكثر ضرورة من الماء والخبز”، معتبراً أنّ “الحزب” كان “منقذاً للشعب اللبنانيّ” في محطّات أساسيّة.
في مواجهة سيناريو التصعيد الإسرائيليّ المحتمل وتشبّث إيران برهانها، يبدو الأفق اللبنانيّ ملبّداً بأسوأ الاحتمالات
قبل ذلك كان من اللافت التذمّر الإيرانيّ العلنيّ والتدخّل على المكشوف لصحيفة “طهران تايمز” الرسميّة التي شنّت حملة على المصرف المركزيّ في لبنان الذي “سلّم واشنطن المفتاح الرئيس، وتطوّع لمراقبة مواطنيه نيابة عن مبعوثي وزارة الخزانة الأميركيّة الذين قضوا بضع ساعات فقط في بيروت قبل إصدار أحدث مجموعة من الوصايا الماليّة”. ولم يكن من المصادفة أن يأتي ذلك بعد اتّهام أميركيّ لإيران باستخدام اقتصاد الكاش في لبنان من أجل إيصال مليار دولار إلى “الحزب”.
لم يكتفِ الجانب الإيرانيّ بالتدخّل اعتباراً من طهران، بل إنّ السفير الإيرانيّ لدى لبنان مجتبى أماني اعتبر أنّ إسرائيل تجاوزت السقف الذي التزمته من خلال اغتيال الطبطبائي، مذكّراً بكلام الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم عن “الردّ الآتي من دون شكّ”.
تدلّل سلسلة التصريحات الإيرانيّة عن رغبة دفينة في مقاربة الوظيفة الجيوسياسيّة للبنان كي يبقى “الساحة” و”الورقة”، ويذكّرنا ذلك بكلام علي خامنئي أمام رئيس الوزراء اللبنانيّ الأسبق سعد الحريري خلال زيارته طهران في 2010، عندما استند إلى رواية “أحدب نوتردام” لفيكتور هوغو، فشبّه لبنان بالفاتنة “إزميرالدا التي يتنافس عليها الجميع”، و”يكمن دور سلاح “الحزب” في حمايتها”. لكن في ذينك الوقت واليوم رفض أرباب الحكم الإيرانيّ أن نصل إلى لبنان الوطن صاحب القرار الحصريّ بالحرب والسلم.
أمّا “الحزب” فيواجه خياراً جوهريّاً بشأن هويّته بين ولائه للسلطة الدينيّة ممثّلةً بالمرشد الأعلى للثورة الإسلاميّة في إيران وإمكان تحوُّله إلى حزب سياسيّ لبنانيّ. يُفضي هذا الخيار الوجوديّ إلى خيار استراتيجيّ آخر: هل يُمكن أن يظلّ الكفاح المسلّح ضدّ إسرائيل الأساس الأيديولوجيّ والمبرّر لاستمرار ترسانة “الحزب”، خاصّة أنّ المواجهة العسكريّة مع إسرائيل لا يمكن أن تبقى قضيّة لبنانيّة بحتة، منذ اتّفاق تشرين الثاني 2024 وسقوط نظريّة الردع المتبادل المتّبعة منذ 2006؟
في الإجمال، في مواجهة سيناريو التصعيد الإسرائيليّ المحتمل وتشبّث إيران برهانها، يبدو الأفق اللبنانيّ ملبّداً بأسوأ الاحتمالات.