بعد قراءتي كتاب “ملح الأرض” للأستاذ عباس خلف، رأيت نفسي انكب على كتابة انطباعاتي و لو متأخرا” بعض الشيء، بعد أن ازدحمت قراءاتي في عزلة أيام وباء الكورونا و تراكم اعداد الكتب التي أردت أن أستفيد من قراءته خالل هذه الفترة.

ولا أخفي مهابتي من إبداء الرأي في كتاب من إنتاج شخص مثل عباس خلف، و لكن متعة قراءته و شرف اهدائه لي هونت علي المهمة.

في البداية، ال بد من مالحظة شكليات الكتاب إن كان من خالل اغلفه الأنيق، أو نوعية الورق و الطباعة، أو تقسيم الكتاب و الخط السهل القراءة و جماليته، مما أضاف إلى سلاسة السرد و ترابط الأفكار.

بالرغم من أنني لست حزبيا” و لا يساريا”، إال أن الفكر والتجربة و الأخلاقيات و النضال الذي يكتنزها الكتاب في صفحاته لا يمكن الا أن يجذب القارىء لا سيما أنه تعبير عن ديموقراطية سياسية سليمة، وحرية الانسان، و الوعي الذي هو علة الوجود، و النزاهة في العمل و النفس التي من دونها ال قيام للدولة أو المجتمع المتماسك.

تظهر في الكتاب روح عباس خلف ومناقبه: فهو كان الرئيس التنفيذي الإقليمي إحدى أكبر شركات التأمين و المؤتمن على أموال الناس و ثقتها، و المؤمن بمبادئه دون رياء، و الصديق الوفي، و السياسي الملتزم العامل من أجل المصلحة العامة و الانسان خصوصا” في محاربته الفساد خلال توليه منصب وزير الاقتصاد والتجارة في سبعينات القرن الماضي، و الذي يقرن القول بالعمل و يتابع حتى التنفيذ.

يشعر القارىء بالطاقة العارمة المنبثقة من زمن غابر اتسم بالقومية العربية التي تنتمي إلى فكرها الأستاذ خلف، الواعدة بمستقبل أفضل مع بداية النهضة العربية التي أطلقتها، المؤمنة بمبدأ عدم الانحياز إلى أي من الأقطاب العالمية و بالعلمانية كسبيل للخلاص من شرذمة الفكر العشائري والطائفي و العرقي، المنتفضة ضد زمن الاستعمار إيمانها بحق الشعوب بتقرير مصيرها، و الرافعة لقيم إنسانية تذهل القارئ المعاصر ولو أن القومية العربية لم تنجح في إكمال الرؤية التي بدأتها.

يكشف الكاتب عن بعض الحقائق التي طمسها الزمن أو المغرضون، كدليل على أن اللبنانيين باستطاعتهم اجتراح الحلول بأنفسهم و بأن حب العيش المشترك يطغى على الحرب و مرارتها. فاذكرنا الأستاذ خلف (وهو كان نائبا” لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي للشؤون الخارجية) بلقاء حصل بين كمال جنبلاط وبشير الجميل في أواخر أيار 1976 ،حيث عرض جنبلاط على الجميل وثيقة الصالحية كان قد حضرها مع الحركة الوطنية، أهم ما جاء فيها احداث تغييرات على النظام اللبناني السقاط الطائفية السياسية و اقامة دولة مدنية علمانية، فوافق الجميل على مبادئها. و لكن دخول الجيش السوري الى لبنان في ذات السنة ومن بعده اغتيال كمال جنبلاط كان أسرع من التوافق اللبناني، فضرب أهم فرصة تاريخية لتسوية داخلية شاملة بعيدة الأمد لبناء دولة ديمقراطية عصرية مدنية علمانية، قابلة للحياة.

ان تسلسل التاريخ في الكتاب لا شك يدعو الى الصدمة من حيث التدني المطرد وصولا” إلى أيامنا هذه في السياسة و الاقتصاد و المجتمع خصوصا” بالمقارنة مع المحاولات النهضوية في العالم العربي في

الخمسينات. فإذا قمنا بالمقارنة مثلاً”، من لبنان قديم مع حد أدنى من مقومات الدولة و اقتصاد مزدهر و لو مع فساد مستتر، الى فساد معاصر مكشوف و وقح في الكهرباء و الدواء و المصارف، الى انفجار شبه نووي ما زال رسميا” مجهول المصدر بعد 7 أشهر. أما في العروبة، فمن زمن كان فيه النضال لتحرير

الإنسان في فلسطين و الجزائر و اليمن الجنوبي و الدعوة الى العلمنة و الديموقراطية و الحياد عن الانقسامات الدولية، إلى زمن باتت الصورة فيه بين تناحر تحت ضغط صراع العصبيات الدينية و مشاريع الدول الطائفية و كبت التعبير الشعبي، وبين استبدال مشروع النضال الشامل الأطراف باحتكار أصولية دينية ذات مشروع فارسي، معادية للعروبة و متمرسة في الانقسامات الدولية.

قد لا يشارك القارئ الأستاذ خلف في عدد من أفكاره السياسية، و لكننا حتما” لا نختلف على دولة مدنية تحفظ حقوق المواطنين كافة و قائمة على حكم العدالة. لا نختلف على أساسية الديموقراطية و الحرية الفردية ضمن أطر الواجبات الأخلاقية في زمن هبط فيه مستوى التخاطب و التمثيل و المستوى الفكري. كما ال نختلف على ضرورة بعض التدخل والترشيد من الدولة في فلتان االقتصاد المزمن منذ ما قبل الحرب اللبنانية و الجشع الرأسمالي المستشري، الذي أنتج اقتصادا” عجيبا” لا يوجد وصف علمي له سوى أنه فوضى و احتقار الإنسان من حراس الهيكل من محتكري السلطة و المال. و بالطبع، لا نختلف على ضرورة محاربة الفساد الذي هو خطر على الأمن الوطني و على رفاهية المواطن و قيام ادارة فعالة لخدمة الوطن والمواطن. في العمل المجدي و الاستقامة و الوعي والقيم الإنسانية المشتركة هي واجب كل مواطن، و بالاخص من كان في موقع المسؤولية ليكون قدوة، على قول المسيح: “أنتم ملح الأرض، فإن فسد الملح فبماذا يملح”.

* نشر ايضاً في جريدة النهار بتاريخ 29/3/2021