• في صباح الثامن من كانون الثاني/يناير، دخلت ثالث جرافات إسرائيلية نابلس، ترافقها خمس سيارات جيب تابعة لحرس الحدود ومركبة بيضاء تعود إلى اإلدارة المدنية. وصلتُ إلى حيّ التعاون في جنوب المدينة، حيث أطلق عناصر الشرطة المرافقون قنابل الغاز المسيل للدموع في اتجاه صحافيين وسكان لمنعهم من االقتراب، وعلى بعد مئات األمتار، شاهد مرسال خطّاب جرافتين تضربان سقف منزله، وتحطّمان الجدران وتُسقطانها. وفي الوقت نفسه، كانت هناك جرافة ثالثة تهدم منزل عائلة العباد حتى انهار هو اآلخر. وفي يوم الثالثاء الماضي تكرّر المشهد، حين هدمت جرافات إسرائيلية منزل عائلة الصابر في الحي نفسه، كما تلقّى ما ال يقل عن ثمانية منازل أُخرى أوامر بوقف العمل وأوامر هدم للسبب ذاته: وقوعها في المنطقة “ج”، وعدم حصولها على تراخيص بناء من السلطات اإلسرائيلية، على الرغم من أن الحي مالصق ألحياء منظّمة في نابلس وبعيد عن أي مستوطنة أو طريق يؤدي إليها.
  • وحيّ التعاون هو مثال واحد على وتيرة الهدم المتصاعدة في أنحاء الضفة الغربية. فخالل كانون الثاني/يناير من هذه السنة، هدمت اإلدارة المدنية ما مجموعه 24 مبنى في الضفة بحجة عدم الترخيص في المنطقة “ج”. ووفقاً لمعطيات مكتب األمم المتحدة لتنسيق الشؤون اإلنسانية (OCHA ،(فقد هُدم خالل العامين الماضيين 2461 مبنى يملكه فلسطينيون للسبب نفسه، مقارنة بـ 4684 مبنى خالل األعوام التسعة التي سبقتهما. ونتيجة لذلك، ف ق دْ ف ق د نحو 3022 شخص منازلهم خالل هذين 9 عند االقتباس يرجى ذكر المصدر العامين. ·

ويتقاطع ارتفاع وتيرة الهدم اإلداري للبناء الفلسطيني مع مسارين بارزين في الضفة خالل السنوات األخيرة: تهجير نحو 82 تجمعاً فلسطينياً بسبب التوسع المتسارع في إقامة المزارع والبؤر االستيطانية وما يرافقها من عنف منظم، والتغييرات التي أدخلتها الحكومة على ترتيبات األراضي في الضفة. ومن هذه التغييرات: إلغاء الحظر على شراء اليهود بصورة خاصة أراضي في الضفة، ورفع السرية عن سجل األراضي وإلغاء إشراف اإلدارة المدنية على صفقات األراضي، واستئناف تسوية األراضي وتسجيلها حسب الملكية، وتسريع إعالن مزيد من األراضي الفلسطينية العامة أو تلك التي ال تتضح صلتها الملكية كـ “أراضي دولة”. وتؤدي هذه العناصر مجتمعة إلى توفير مزيد من األراضي “الخالية” من الفلسطينيين.

  • كان يُفتر ض بالتقسيم المصطنع الذي أقرّه اتفاق أوسلو، والذي أعاد إلى الفلسطينيين صالحيات التخطيط والبناء في 36 %فقط من مساحة الضفة الغربية )المناطق “أ” و”ب”(، أن ينتهي سنة 1666 ،ومنذ تلك السنة، كان من المفتر ض أن تمتد صالحيات السلطة الفلسطينية إلى معظم الضفة الغربية )باستثناء المساحات المبنية في المستوطنات القائمة -وفق تفسير المفاوضين الفلسطينيين – والمعسكرات العسكرية

(. · لكن إسرائيل جمّدت منذ ذلك الحين بصورة أحادية الجانب عملية “نقل الصالحيات” والمساحة التي تستطيع السلطة الفلسطينية تطويرها لمصلحة شعبها. ولذلك، فإن كل مبنى فلسطيني جديد، أو عمود كهرباء، أو أنبوب مياه يقع ضمن 61 %من الضفة المصنَّفة منطقة “ج” يحتاج إلى ترخيص من اإلدارة المدنية، وهو ترخيص ال يُمنح. فعلى سبيل المثال، في الفترة 2226-2222 ،منحت اإلدارة المدنية 66 رخصة بناء للفلسطينيين، بحسب ردها على جمعية “بِمكوم”، بينما في الفترة نفسها مُنح مواطنون يهود 220222 ترخيص لوحدات سكنية، وفق معطيات دائرة اإلحصاء المركزية. وهذا الواقع يُثبط سلفاً عزيمة أي فلسطيني أو بلدية فلسطينية ترغب في البناء بصورة قانونية، فهي تعلم أنها ستواجه مساراً بيروقراطياً طويالً ينتهي غالباً برفض الطلب. 10 عند االقتباس يرجى ذكر المصدر ·

وهكذا تجد المدن والقرى نفسها عاجزة عن توسيع المخططات الهيكلية وإدراج أراضٍ عامة أو خاصة لتلبية الحاجات االقتصادية والنمو الطبيعي للسكان، وإقامة مدارس ومستشفيات وحدائق ومالعب.

  • إن التغييرات البنيوية في اإلجراءات المتب عة وموجة هدم المنازل ستسهّل على الدولة وعلى أفراد االستيالء على مزيد من األراضي، باإلضافة إلى أساليب أثبتت نجاعتها سابقاً: العنف والطرد المباشر، وإعالن مناطق إطالق نار، ومصادرات ألغراض أمنية، ومحميات طبيعية، ومنع الوصول إلى منطقة التماس، وإقامة مناطق أمنية حول المستوطنات وغيرها. ومع القرار الصادر األسبوع الماضي بتسريع إعالن أراضي دولة، يُتوقع أن تكثّف إسرائيل استخدام تفسيرها للقانون العثماني، الذي يتيح لها إعالن أراضٍ غير مزروعة كأراضٍ مخصصة لليهود، على الرغم من أن سبب عدم زراعتها هو منع أصحابها من الوصول إليها. · كما أن الضائقة االقتصادية في الضفة قد تدفع فلسطينيين إلى بيع أراضٍ إلى يهود، وهذه الضائقة ناجمة مباشرة عن قرارات حكومية: وقف العمل داخل إسرائيل ومصادرة نحو 72 %من إيرادات السلطة من الجمارك والضرائب. وحتى لو أقدم بضع عشرات فقط على ذلك، ولو كانت القطع صغيرة جداً، فإن كل قطعة ستتيح توسيع السيطرة اإلسرائيلية. ·

على مدى أعوام، طالبت جمعيات استيطانية، وفي مقدمتها “رغافيم”، للحفاظ على “أرض الوطن”، بتنفيذ التغييرات التي أقرتها الحكومة، وبموازاة ذلك تعزيز “اإلنفاذ والسيادة” وهدم المباني الفلسطينية في المنطقة “ج”. ويزعم تقرير صادر عن “رغافيم” الشهر الماضي أن تشديد اإلنفاذ ساهم فعالً في تراجع البناء الفلسطيني من دون ترخيص. وتدّعي هذه الجمعيات أن األمر يتعلق بمؤامرة فلسطينية لالستيالء المنظم على أراضٍ، على الرغم من أنها أرض فلسطينية أصالً ووفق القانون الدولي. غير أن ما يُعرض كمخطط خبيث هو في الغالب نتيجة انعدام البدائل

. · وهذا حالة مرسال خطّاب، البالغ نحو 60 عاماً؛ إذ عاش طوال حياته مع عائلته في شقة مستأجرة في نابلس. ومدخراته من عمله كفني أسنان، ثم صاحب محل زهور، لم تكفِ لشراء شقق له وألبنائه. وفي مطلع العقد 11 عند االقتباس يرجى ذكر المصدر الماضي، اشترى خطاب قطعة أرض من أحد سكان قرية عراق بورين، على األطراف الجنوبية لمنطقة جنوب غربي المدينة، تُعرف باسم “نابلس الجديدة”

. · إن ترسيخ المنطقة “ج” كمنطقة محظورة على التطوير الفلسطيني رفع أسعار األراضي داخل المدن التي تُصنَّف معظمها منطقة “أ”، وفي القرى التي تنقسم أراضيها بين “ب” و”ج”. وكثيرون، كعائلة خطاب، قرروا المجازفة والبناء في المنطقة “ج”، على أمل أالَّ تصل يد اإلدارة المدنية إلى أماكن بعيدة عن أي مستوطنة إسرائيلية أو طريق يستخدمه المستوطنون، وتقع على بعد دقائق من أحياء معروفة. يقول خطاب قرب ركام منزله: “بنينا بيتنا شيئاً فشيئاً. شقة لي ولزوجتي، وأُخرى البني األكبر وأحفادنا، وثالثة قيد اإلنشاء البنه الذي خُطب.” ولم ينتقلوا إلى السكن فيه إالَّ قبل عامين. ·

وهذا ما ظنّه بعض سكان ك فّين شمالي طولكرم؛ فعند تقاطع طريقين بين قريتين، وعلى مساحة نحو خمسة دونمات، بنوا محطة وقود ومصنع خرسانة وكشكاً. نُقلت المحطة سنة 2218 من داخل القرية، وبنى شاب الكشك بعد اندالع الحرب، وفي مطلع الشهر، علّق جنود أوامر بوقف العمل بسبب عدم الترخيص. ويقول صاحب الكشك: “إلى أين نذهب؟ ومن أين نعتاش؟ فقدتُ عملي في مطعم داخل إسرائيل مع اندالع الحرب، وهناك أقارب آخرون كانوا يعملون هناك أصبحوا عاطلين، وأراضينا الزراعية تقع وراء الجدار، وال يُسمح لنا بالوصول إليها وزراعتها. األرض هنا لنا. ما الذي يزعج في أن نكسب رزقنا من الكشك المقام عليها؟” · أصحاب المباني في الموقع يدرسون ما إذا كانوا سيخوضون مساراً بيروقراطياً وقضائياً لتقديم اعتراضات على أوامر وقف العمل التي ستعقبها أوامر الهدم، وقد فعلت عائلة خطاب، وفشلت. ولم يأخذ المجلس األعلى للتخطيط في اإلدارة المدنية، وال قاضي المحكمة المركزية في القدس، أبراهام روبين، في االعتبار العبث المتمثل في عدم السماح لبلدية نابلس بتوسيع نطاق صالحياتها التخطيطية منذ 32 عاماً.

  • لقد مُنحت عائلة خطاب مهلة شهر إلخراج محتويات المنزل، ويقول خطاب 12 عند االقتباس يرجى ذكر المصدر بعد أقل من شهر على الهدم: “استأجرنا شقة صغيرة، ال تتسع لكل ما أخرجناه من البيت الجديد. هناك أشياء كثيرة ما زالت داخل الصناديق.” وقد ترك وراءه أحواض مياه وخزان ماء مكسور وألواح خشب، وبقيت متناثرة في المكان، وحتى القطط الـ 14 التي كان يطعمها تركها خلفه، واقترب بعضها يحتك بساقيه حين صعد إلى كومة الخرسانة المحطمة التي كانت يوماً منزله. كانت تلك المرة األولى التي ينكسر فيها صوته وهو يستعيد يوم الهدم وما سبقه

. · يصعب على خطاب فهم لماذا لم توقف السلطات بناء منزله فور بدايته سنة 2214 ،ويقول: “لماذا انتظروا حتى نستثمر كل مدخراتنا وأكثر؟ لماذا انتظروا حتى سنة 2221 ،حين تلقينا أول أمر بوقف العمل؟” ويرجَّح أن األمر صدر حين بدأ بناء مبانٍ في مستوطنة “هار براخا”، الموجودة أيضاً في المنطقة “ج”. وتقع المستوطنة على السفح الجنوبي لجبل جرزيم، وعلى مسافة جوية ت بْعُدُ نحو كيلومترين من منزل خطاب المهدوم، بينما يزيد الوادي الفسيح بينهما المسافة الفعلية. · وفي تقديره، يشير خطاب إلى سلوك اإلدارة المدنية الخاضعة لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، أحد مؤسسي “رغافيم”: فهي مستعدة إلرسال جرافاتها عميقاً داخل منطقة حضرية لتنفيذ خطته القائمة على التوسع المتواصل للتجمعات اليهودية، بينما يُترك للفلسطينيين االكتفاء بستة جيوب مكتظة إلى أقصى حد، على نحو 18 %فقط من مساحة الضفة الغربية. 13