على أمل الرجاء بالخلاص والخروج من المعاناة، وبناء الدولة، واستعادة السيادة، ووقف العدوان الإسرائيلي، استقبل اللبنانيون، مجتمعين ، رغم المنازعات والاصطفافات التي باعدت بينهم، من أجل الإنقاذ والإصلاح،

 

في 30/11/2025، استقبل اللبنانيون قداسة البابا لاون الرابع عشر، تحت شعار بالغ الرمزية: «طوبى لصانعي السلام». وفي خطابه الأول للبنانيين المرحّبين به في القصر الجمهوري، استهلّ البابا كلمته بترداد هذا الشعار، ودعا اللبنانيين إلى جعل تحقيق السلام أولوية قصوى، قائلاً:

«أنا أفكّر معكم في معنى أن نكون اليوم صانعي سلام في ظروف بالغة التعقيد، مليئة بالصراعات والاضطرابات».

 

وفي اليوم الثاني، في وسط بيروت، احتضنت المدينة اللقاء المسكوني مع ممثلي الأديان، حيث أكّد المجتمعون توجيه رسالة ذات أبعاد روحية ووطنية، تدعو إلى لقاء الحضارات بدل تصارعها، وإلى أن المسيحية متأصّلة في هذا الشرق، وأن دور لبنان أن يكون رسالة وشهادة للحقيقة الدائمة، التي تكمن في أن المسيحيين والمسلمين، على اختلاف طوائفهم، قادرون على العيش معًا وبناء وطن يتّحد أبناؤه بالاحترام والحوار.

 

حوار لا تحرّكه مصالح سياسية أو اجتماعية، بل حقائق عميقة متجذّرة في الإيمان. فرغم المعاناة التي يواجهها اللبنانيون اليوم، يمكن إيجاد سبل وأسباب للرجاء، والتركيز على ما يوحّد الإنسانية المشتركة، والإيمان بإله المحبة والرحمة.

 

وفي زمن قد يبدو فيه العيش المشترك وكأنه حلم بعيد المنال، يقف لبنان، بشعبه الذي يحتضن ديانات وطوائف متنوّعة، شاهدًا على أن الخوف وانعدام الثقة والأحكام المسبقة ليست الكلمة الأخيرة، وأن الوحدة والمصالحة والسلام لا تزال أمورًا ممكنة وقابلة للتحقيق.

 

انتهت الزيارة الرسولية على أمل أن تكون قد أوصلت إلى اللبنانيين، حكّامًا وقيادات سياسية واجتماعية، رسالة السلام، والمطلوب منهم القيام به لتحويل حلم السلام إلى حقائق في لبنان المعذّب بعد طول انتظار، وقبل فوات الأوان.

 

فالآمال كبيرة، لكن العوائق كثيرة، والتجارب السابقة مريرة. الجميع يطالب باحترام العيش المشترك، وقبول الآخر، واحترام التعدّدية، لكن كثيرين يفعلون العكس، ويتصرّفون وفق المصالح الخاصة أو الفئوية والحزبية والطائفية، ويتبادلون المناكفات والنزاعات، فيعرقلون الجهود المبذولة لإعادة بناء الدولة السيدة التي تملك القرار، وحصرية السلاح، ورعاية شؤون المواطنين، وحماية الوطن من العدوان وانتهاك السيادة أيًّا كان مصدره.

 

في مطلع ستينيات القرن الماضي، حلم المعلّم كمال جنبلاط بدولة مدنية تقوم على المساواة والعدالة الإنسانية، تُلغي الطائفية السياسية من النفوس والنصوص، وتجمع اللبنانيين في إطار المواطنة لا المناكفة، والعيش المشترك لا التكاذب المشترك. هكذا رأى حلمه للبنان، اعتقادًا منه أن بذلك فقط نحافظ على الكيان وديمومة الوطن.

 

وأردف قائلاً:

«وعندما نفيق من هذا الحلم، نرى أن لبنان على عتبة كارثة، إذا لم يؤتِ إلى الحكم وإدارة شؤون الدولة برجال يستطيعون فعلًا التجرّد من الأنانية والمطامع، ليقوموا بالإصلاحات الجذرية التي تجعل من لبنان وطنًا لا دكانًا، ويعالجوا الأمور بقوة وإيمان وطني عميق، وبحكمة في آنٍ واحد».

 

وأخيرًا، يبقى السؤال:

هل ستحلّ البركة الرسولية البابوية على حكّام وقادة هذا البلد، فيلتقون، ولو لمرة واحدة، على كلمة سواء وقرار جامع واحد: إنقاذ لبنان من معاناته أولوية قصوى؟

 

إن الالتفاف حول مشروع إعادة بناء الدولة هو الشرط الأساسي والوحيد لتحقيق الإنقاذ والإصلاح والحماية والرعاية والسيادة.

فهل سيفعلون قبل فوات الأوان، كي لا يستمر لبنان ساحة للصراعات الإقليمية والدولية المتناقضة، فينهار الكيان، وعندها لا ينفع الندم، إذ يكون الجميع خاسرين ومهدَّدين وجوديًا؟