نعيش اياماً ومرحلة صعبة تتطلب منا النضال ، فالشعوب لا تنبض ولا تتكون لها ارادة ، ولا تتصور لها شخصية ، الا بهذا اللون من صراع الحياة .
ونحن تعودنا ، في لبنان ، ان نعيش براحة وتخلّف عن الكفاح، كمن يسند ظهره الى جبل، او يرتكز الى كيس مليء بالمال. لقد تحول اليوم العالم حولنا، والعالم العربي بشكل خاص، فزال هذا الاستقرار التقليدي الذي كان يؤلف ركيزة حياة هذه الشعوب… ودخلت خميرة الافكار المتطورة الى هذه المجتمعات فخضتها وحركتها نحو التطور.
وتريد فئة منا ان تظل تعيش على الوتيرة ذاتها وضمن الراحة السلبية ذاتها. وهذا مستحيل وسط هذا المتحول والمتحرك والمتطور حولنا وفينا.
فلا عجب ان نكون علاقات الدول العربية بعضها ببعض على ما هي عليه اليوم ، لان هنالك افكاراً واوضاعاً وجيلاً في دور التصفية، وافكاراً واوضاعاً وجيلاً في طور النمو والبروز والسيطرة ولا يمكن لأحد ان يبقى على الحياد وسط هذا الواقع ، فكيف يمكن ان نكون على الحياد بين الحق والباطل ، بين الرجعية والتقدمية، بين الجهل والمعرفة، بين الوطنية وانعدام الوطنية. انما يعني الحياد عدم ايذاء الغير وعدم التعرض لشؤونهم وعدم التدخل المباشر في ما ارتضوه لأنفسهم، ولكن مجرد ان تكون فئة كبيرة من اللبنانيين تناضل لأجل الاهداف الوطنية او التحررية والتقدمية هو بحد ذاته استنفار لجميع القوى المماثلة لها في العالم العربي وفي العالم بأسره، وهو بحد ذاته اختيار لقضية دون سواها… ولكن في هذا المعنى، لا يستطيع اللبنانيون ان يكونوا فقط اصحاب مصالح آنية وظاهرة، لا اصحاب مبادئ، فالمصالح الحقيقية لا يمكن في النهاية ان تنفصل عن المبادئ.
(المرجع: مقال في جريدة الانباء بتاريخ09/02/1963، ورد في الصفحة 156 من كتابه”نظرة عامة في الشؤون اللبنانية والذهنية السياسية “)