برهنت الاحداث والتطورات ان الطائفية السياسية التي قامت على اساسها دولة لبنان الكبير سنة 1920 كانت ولا تزال العائق الاساسي الذي عطّل بناء دولة الرعاية والحماية في ظل الانتداب الفرنسي ، ثم في العهود التي تلت في مرحلة الاستقلال وهي التي اجهضت محاولة العهد الشهابي سنة 1960، وضع الاسس اللازمة لقيام هذه الدولة ، وورطت البلد في حرب اهلية مدمرة ذات منحى طائفي بين العامين 1975 و 1990.
وفي مؤتمر الطائف الذي عقد سنة 1989، توافق النواب اللبنانيون برعاية عربية ودولية ، على وقف الحرب الاهلية والعمل على بناء الدولة وفقاً لمعايير الميثاقية الوطنية والتعددية والعيش المشترك التي اصبحت دستورا للبنان. كما تعهدوا العمل ، على مراحل ، لاقامة الدولة المدنية بعد الغاء الطائفية السياسية، دولة المواطنة والعدالة والمساواة بين اللبنانيين .
هذا ورد في النصوص الدستورية سنة 1990. وهذا ما تعهدت العمل لتحقيقه السلطات التي تشكلت في ذلك العام، ولكن ذلك بقي مجرد حبر على ورق. ففي ظل نظام الوصاية السورية تمّ تجاوز الدستور ، وبرزت بدعة دولة بثلاثة رؤوس يتقاسمون السلطات التي اصبحت متداخلة خلافاً لمبادئ الديموقراطية البرلمانية التي يقوم عليها النظام في لبنان . وكل رئيس منهم يسعى لتغليب منطق طائفته على حساب الوطن. اذا توافقوا يتقاسمون الحصص والمغانم، واذا اختلفوا يتعطل كل شيء في البلد، وينتشر الفساد وتعمّ الرشوة والزبائنية ونهب المال العام. ويسعى الرؤساء عن طريق التزلف لصاحب الوصاية للاستمرار في مراكزهم خلافاً للدستور ولمبدأ تداول السلطة. وقد تجلى ذلك في التمديد لرؤساء الجمهورية ، وحصرية رئاسة السلطة التشريعية لشخص معين وابقاء رئيس الحكومة تحت الضغط لتنفيذ مخطط التقاسم والا تصفيته جسدياً عندما يتعذّر التخلص منه بإسقاط حكومته.
هذا الواقع المرفوض دستورياً واخلاقياً لم يتغير بعد الانسحاب العسكري السوري من لبنان سنة 2005. فقد انقسم اللبنانيون عمودياً، حول كل الامور وترتب على ذلك الشلل في ادارة البلد وتفاقم المناكفات والتنازع على الحصص والمغانم والاستغلال الرخيص للطائفية السياسية وللعصبية المذهبية. وبرزت بدعة التعطيل الحكومي لضمان الحصول على “الثلث” المعطل، وبدعة حكومات الوحدة الوطنية الخادعة التي عطلت عملياً دور المجلس النيابي ، كما اقفال هذا المجلس ومنعه من الانعقاد والتشريع والمحاسبة لغايات حزبية فئوية مذهبية في معظم الاحيان. وكان لهذه الممارسات تداعيات بالغة الخطورة ، فانهارت المؤسسات وتفاقمت الاوضاع سوءاً في مختلف المجالات ، وارباب السياسة والحكم يواصلون التذاكي والمناكفات والمنازعات ، ووصلنا اليوم الى انحلال الدولة : شغور في رئاسة الجمهورية ، شلل حكومي ، وفشل نيابي، وخلل قضائي وافلاس مالي ولا بوادر لأي حل انقاذي في الافق المنظور . تعطيل متبادل، استعلاء يمليه بعضهم استناداً الى فائض القوة والعدد، ورفض الاستسلام يستعمله طرف آخر بإسم السيادة وحرية القرار والتعددية ، وضرورة الانفتاح على العرب والعالم . الجميع يتحدثون عن الميثاقية الوطنية ولكنهم يسخرونها لمآرب فئئوية او حزبية ودوماً طائفية .
تجاه كل ما تقدم وما ترتب ويترتب عليه من تداعيات وازمات باتت وجودية ، يطرح السؤال الكبير : الى متى هذه المكابرة والاستعلاء وعدم احترام الاخر والبلد يواصل الانهيار الى القاع؟ الا يدرك اللاعبون اللاهون عن ناس هذا البلد الذين يعانون اشد المعاناة، انه لا يمكن لاي طرف في البلد، مهما علا شأنه ان يلغي ويتجاوز الاطراف الاخرين ؟ كم اصبحنا اليوم في لبنان بحاجة لرجال دولة وفكر ورؤية من امثال الامامين موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين، او المعلم كمال جنبلاط والرئيس فؤاد شهاب ؟ دعاة التلاقي والتحاور والاصلاح والنزاهة والوطنية التي تتقدم على الطائفية والمصالح الفئوية ، يعملون بصدق لانقاذ الوطن والمواطن لاعادة بناء دولة الرعاية والحماية المدنية التي تحقق العدالة والمساواة بين المواطنين، وتمارس العقلانية والانفتاح اقليمياً ودولياً، على اساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل دولة .
اننا لا نزال نأمل بصحوة ضمير عند ارباب السياسة تحملهم على تخطي كل ما هو خاص او فئوي من اجل الوطن الذي يحتاج لكل ابنائه ومن حقه عليهم ان يكونوا اوفياء له قبل اي امر اخرّ
ونقول لهؤلاء الارباب المتناكفين ان يصغوا لما كشفه المعلم كمال جنبلاط عن ازمة لبنان والطريق الاسلم للخروج منها:
“ان ازمة لبنان حالياً لا يمكن حلها الا اذا حاولنا اصلاح الاخطاء السابقة التي ارتكبت والتي ادت الى وقوعنا في المأزق الذي نحن فيه ولا مجال لنكرانه.
المشكلة اللبنانية لا تحل الا على اساس وطني لا طائفي ، ووفقاً لمنهج تدرجي وحازم في آن معاً، يوصل لبنان الى اقامة دولة تعتمد العلمنة التي وحدها تحقق وحدة المجتمع اللبناني ، وصهره في بوتقة المواطنة.
فالازمة التي نعانيها اليوم هي ازمة حكم وازمة سلطة وازمة قيادات. كما انها ازمة مجلس نيابي لا يفهم انه مجلس تشريعي لا ساحة للمهاترات على انواعها. وخلاص لبنان لا يكون باستخذام العنف ايا كانت مبرراته ، ولا باستخدام وسائل الضغط وقطع الاعناق ، بل يتعدى ذلك الى تخطيط وطني جديد، والى نهج وطني جديد في الحكم وفي خارج الحكم، لا تسوية فيه على حساب مصالح لبنان الحقيقية .”
(المرجع: من مقال له في جريدة الانباء بتاريخ 22/01/1962)