كفى فعلاً تسعة اشهر من التردد والمناكفات والمزايدات والتحديات والتشاطر والتعطيل ، تطيل معضلة الفراغ والشغور الرئاسي والشلل الحكومي والاداري والفشل النيابي ، والافلاس المالي والمعاناة الشاملة. ان ما يحصل ويتكرر في المجلس النيابي يؤكد ان النواب ، بالرغم من كل الاعذار التي يسوقونها قد فشلوا في تأدية المهام الموكولة اليهم من الناخبين بـ: تأمين تبادل السلطات والمناصب، التشريع للتحسين والتطوير ، المحاسبة على كل تقصير من جانب السلطة التنفيذية ، احترام الدستور والقوانين المرعية الاجراء التي لا تنتظم شؤون الدولة والشعب في تجاوزها مهما كانت المبررات والمحظورات.

ما اشرنا اليه يستدعي البحث عن الخلفيات والاسباب التي اوصلت الامور الى هذا الدرك من الشلل والفشل . قد يكون ما افرزه قانون الانتخاب المعلّب والملغوم هو السبب. فجاء تركيب القوى السياسية في المجلس النيابي مفككاً ومشرذماً على كتل متناكفة اكثرها على اسس طائفية مذهبية ، اذا توافقت تقاسمت المناصب والمكاسب على حساب الوطن والمواطنين، بل حتى الطوائف التي يناكفون باسمها، واذا تخاصمت انعكس ذلك شللاً وفشلاً وتعطلاً كما هو حاصل اليوم منذ تسعة اشهر، والمعضلة مرشحة للاستمرار والتفاقم لأجل غير محدد.

وقد يكون السبب الارتهان لأجندات خارجية اقليمية او دولية حيث تتضارب المصالح المتناقضة ، فينعكس ذلك شللاً على لبنان وعجزاً عن الخروج من الازمات ، وعلى رأسها الفراغ في رئاسة الجمهورية . كما قد يكون السبب اعتماد بدعة التوافقية كنهج للحكم وربطها ببدعة الثلث المعطّل ، والمتاجرة بالميثاقية التي قامت اساساً على ضمان وحدة العيش المشتركة بين المسلمين والمسيحيين واصبحت اليوم سلاحاً مذهبياً للتعطيل او الفرض او الرفض، واعطت لكل طرف مذهبي الحق في استخدام حق النقض والرفض على كل تدبير او قرار لا يخدم مصالحه الخاصة او الحزبية باسم الطائفة او المذهب.

لكل هذه الاسباب يستمر الوضع في لبنان يدور في الحلقة المفرغة ويتجه الى الاسوأ، فيما المعاناة الشاملة تستدعي الاسراع في انتخاب رئيس للجمهورية كمقدمة لإعادة انتظام سائر السلطات والمؤسسات.

في مواجهة هذا الانسداد في افق الحلول برزت مؤخراً دعوة لحلّ المجلس النيابي الحالي واجراء انتخابات نيابية مبكّرة قد تساعد في الخروج من المأزق المأزوم. فهل هذا ممكن؟ وما مدى فرص النجاح في اختيار مجلس نيابي افضل تشكيلاً وقدرة على الانجاز للانقاذ؟

من الناحية النظرية هذا الشيء ممكن الحصول، ولكن عملياً في ظل الشغور الرئاسي وحكومة تصريف اعمال مبتورة ومشلولة ، لا يمكن اتخاذ هكذا قرار بحل المجلس النيابي الحالي. والاحتمال الثاني الممكن ، على صعف امكانية اتخاذ قرار بشأنه له الشمولية المطلوبة ، هو ان يقدم النواب على تقديم استقالات جماعية ، فتصبح الانتخابات ملزمة خلال شهرين . غير ان هكذا انتخابات في ظل قانون الانتخابات الحالي ستعيد عملياً تشكيل المجلس الجديد على غرار المجلس الحالي المشكو من فشله. والمعضلة التي تحول دون امكانية وضع قانون جديد اكثر عدالة واصدق تمثيلاً هو التناحر القائم بين مكونات الوطن والشغور والشلل في السلطات والمؤسسات. فما العمل اذن؟

ان الحل الوحيد الممكن يستدعي يقظة ضمير وقرار وطني الابعاد يقدم عليه ارباب الحكم والسياسة والنيابة، فيتخلى الجميع عن عما يقومون به حالياً لطموحات شخصية او لمصالح حزبية او فئوية اصابت من لبنان مقتلاً، حيث تزايدت العصبيات المذهبية والطائفية السياسية التي دمرت المؤسسات وشرذمت السلطات ، واوصلت لبنان الى مشارف الهلاك. للخلاص سبيل واحد: قلب صفحة الماضي والحاضر المأزوم، والتلاقي والتحاور الصادق للتوصل الى تسوية انقاذية ، فلبنان قائم على التسويات وقبول الاخر والاحترام المتبادل، والرغبة الصادقة في العيش المشترك. فكل اتفاق على هذه الاسس ينقذ الوطن والمواطنين ، وكل اصرار وتعنّت على الغلبة والفرض والرفض من اي جهة كانت يودي باللبنانيين الى الانهيار والاقتتال والشرذمة والوطن الى الزوال. فهل من يسمع ويعي ويستوعب ، ويدرك المطلوب منه وطنياً فيقدم وينقذ، او يحجم فيتلاشى الحلم ببقاء الوطن ويتشتت ابناؤه. على امل الاستجابة يستمر الانتظار الذي نأمل ان لا يطول.