في لبنان ، هذا البلد الذي اعتادت فئة من اهله أن تتصّل ارحامهم بالأمهات الأجنبيات الحنونات على تنوّعها : لهؤلاء أم روسية شيوعية ، ولهؤلاء أم فرنسية ديمقراطية ، ولاؤلائك والدة اميركية رأسمالية أو بريطانية نصف عمالية .
في هذا البلد فئة من الناس عشعش في نفوسها مركّب النقص ومركّب الضعف والخوف ، وبالتالي الشعور به وبضعفة النفس وبصغارة العيش فحوّل بهم هذا الشعور وهذا النقص وهذا الخوف وهذه المذلّة الداخلية الى عدم الثقة بنفوسهم وبحقيقتهم وببلدهم ومرتجياتهم كبشر، فاضحت آمالهم وآلامهم معلّقة على تلك الدولة او تلك ، ومشروطة بانتصار هذا الفريق او ذاك الفريق ، كأنّ عهد الإنتداب لم ينقض بعد ، أو كأن مصير المعركة الحقيقي – معركة الإنسان – لن يتقرر في النهاية في بلادنا ، في شعوبنا ، في نفوسنا … كأن النصر سنعير استعارة ، او سنستجديه استجداء ، كالشحاذين المعوزين لقمة العيش من على مائدة أغنياء السلطان والمال ، من على مائدة اسيادهم الأميركيين او الروس اوسواهم .
الى هؤلاء الذين يرفعون ، من وقت لآخر ، ايديهم المكبّلة بالقيود ليرى الناس انهم لم يعتقوا بعد نقول:
أما نحن فلن نبيع أنفسنا لأحد لأن الله لا يريدنا إلّ احراراً ، لم تتعرّف أيدينا الى آثار القيود”.
كمال جنبلاط
(المرجع : مقال نشرته جريدة الأنباء . في 13/7/1951.