نشهد في العالم اليوم نمطاً سياسياً عير مسبوق في التاريخ المعاصر.
ففي اعقاب الحرب العالمية الأولى (1918-1914)توافقت الدول المنتصرة ف الحرب على إقامة نظام عالمي جديد ، يمنع الحروب، وينشر السلام في العالم ، تديره منظمة عصبة الأمم المتحدة. إلاّ أن اطماع الدول الكبرى التي تجسدت في معاهدات الصلح غير العادلة بحق الدول المهزومة ، واستمرار الشهوة بمواصلة سياسة الإستعمار خاصة في قارتي آسيا وأفريقيا ، شلّت عمل عصبة الأمم، وشهدت سباقاً للتسلح خاصة في القارة الأوروبية ، قاد الى نشوب حرب عالمية ثانية ، بدأت اوروبية، ثم تحولت الى عالمية بين العامين 1939 و 1945.
ومن جديد ، تقاسمت الدول الكبرى المنتصرة النفوذ والسيطرة على العالم . وأعلنت عن رغبتها في إقامة نظام عالمي جديد قادر على منع الحروب وإقامة السلام في العالم ، ومنح الشعوب حق تقرير المصير واختيار نظام الحكم الذي يناسبها. وقرّرت إنشاء منظمة الأمم المتحدة كاداة لتحقيق ذلك ، واحتكرت الدول الخمس الكبرى لنفسها حق “الفيتو” النقض ، وتعطيل أي قرار يصدر عن المنظمة يتعارض مع مصالحها القومية. توسعت مهام هذه المنظمة لتشمل السياسة والإقتصاد والصحة والقضايا الإجتماعية والقضائية والتعليمية والحضارية ، ولاقى ذلك ترحيباً واسعا على مستوى الشعوب في العالم ، يحررها من الإستعمار وينقذها من مخاطر الجهل والأمية والمرض ، ويفتح أمامها ابواب التقدم والازدهار. غير ان هذه الأمال سرعان ما بدات تتلاشى مع الإنقسام الكبير بين الدول الكبرى ، وظهور معسكرين متناقضين المعكسر الغربي الرأسمالي ، والمعسكر الإشتراكي الشرقي، وظهور الاحلاف العسكرية ، وعودة سباق التسلح ، واستخدام اساليب الترهيب والترغيب على الدول المتوسطة والصغيرة للإنضمام لهذا المعسكر أو ذاك . هذا الإنقسام حمل عنوان الحرب الباردة ، وكان من نتائجه نشوب حروب إقليمية أثمرت تقسيم المانيا وكوريا وفيتنام ، وإقامة دولة اسرائيل العنصرية في فلسطين على حساب الشعب الفلسطينين وحقوقه المشروعة ، وما تلا ذلك من سلسلة من النزاعات والحروب في العالم العربي والشرق الأوسط لا تزال تتكرر حتى اليوم .
وفي مواجهة هذه الأحداث والكثير غيرها ، عطلت المصالح الخاصة للدول الكبرى ، قدرة منظمة الأمم المتحدة عنن تنفيذ القرارات التي تصدر عنها حول هذه الأحداث عن طريق استخدام حق الفيتو.
وها نحن اليوم في مطلع العام 2026 ، لا تزال النزاعات والحروب تتواصل : حرب روسيا على اوكرانيا ، عدوان اسرائيل عل العديد من دول المنطقة وحروب التدمير والإبادة بحق الشعب الفلسطيني . والنزاعات الداخلية تتفاقم في لبنان وسوريا والعراق واليمن والسودام والصومال وليبيا وغيرها.
واخيراً ، مع عودة الرئيس ترامب الى البيت الأبيض الأميركي ، تبدلت امور كثيرة تمحورت كلها حول شخص الرئيس ترامب.
ففي الداخل الاميركي مارس الحكم بالقرارات التنفيذية دون أي اعتبار للدستور وللمؤسسات الدستورية على اختلافها السياسية منها والإقتصادية والدفاعية والقضائية والإجتماعية والصحية والتعليمية . ويستعمل دائماً عبارة ” انا اريد ن انا اقرر” وعلى الجميع الرضوخ والتنفيذ ، ويهدد كل من يعارضه ، مبرراً أفعاله بانها وحدها تعيد الولايات المتحدة لأن تكون الأقوى والأقدر والأحق في العالم . ترامب يعتقد ان القيادة قرار والردع فعل ، والإستقرار يولد من الخوف ، والمؤسسات ادوات تنفيذ لا قيود. رئاسته لا تؤمن بالإقناع ولا تنتظر الإجماع ، وتمارس السلطة بوصفها غاية ووسيلة في آن انصاره يرون فيه قائداً حاسماً وخصومه يرون فيه خطراً متراكماً.
اما تعامل ترامب مع الخارج ، سواء مع الدول الحليفة او الصديقة او حتى المنافسة والمعارضة ، فينطلق من مبدأ : اعطوني ما اريد لتحصلوا على السلام ، وإلاّ فالويل والالثبور وعظائم الأمور: فرض العقوبات والرسوم الجمركية ، التهديد باستخدام القوة ، بل استخدامها . المؤسسات الدولية التي تحكم وتدمر الشؤون الدولية فاشلة ، أنسحب من معظمها (56مؤسسة) العدالة الدولية أنشىء لهذا الغرض على قضاتها عقوبات. الحروب ستتواصل في العالم إذا لم أتحرك لوقفها وفرض السلام.
واخيراً في دافوس ، طاب له ان يسجل انتصاره الأكبر: انشاء مجلس السلام العالمي ، برئاسته مدى الحياة ، وباحتكار حق القرار النهائي فيه ، جميع الأعضاء ، المدعوين للمشاركة فيه مدعوون ليكونوا مجرد شهود على ما يريده ويقرره ، وكل معارض له مهدداً بالطرد من المجلس. بهذا المجلس كتب ترامب نهاية النظام العالمي القائم ، ليحل سجله نظام الرئيس الأوحد والزعيم الأوجه للعالم امبراطور مطلق الصلاحيات على غرار اباطرة روما وفرض السلام الروماني على العالم في التاريخ القديم.
هذا التاريخ ، لمن يريد ان يتذكر ، لا يسجل سقوط القوى عند ذروتها ، بل عند لحظة سؤ ادارتها لمصادر قوتها ، الولايات المتحدة اليوم امام اختبار حقيقي : إمّا حماية مصادرة قوتها ، وإمّا الاستمرارفي استهلاكها ومن المعروف ان مصادر قوة الولايات المتحدة ثلاثة:
- شبكة التحالفات التي اقامتها بعد الحرب العالمية الثانية والنظام العالمي الذي رعته واستضافت ادارته .
- فتح باب الهجرة التي ساعدتها على استقطاب العقول والطاقات التي مكنت من جعل الولايات المتحدة القوة الأعظم في السياسة والسلاح والعلوم والتكنولوجيا والإقتصاد والمال.
- احتضانها لأفضل الجامعات ومراكز الأبحاث في العالم وهذه كلها اليوم مردّوة في عهد رئاسة ترامب ، فأي مصير لها وللعالم مع هذه القيادة النرجسية.